حِبرٌ من الجيلِ الثالث · منذ ١٩٦١
مقال · ٠٠٦ · ٢٥ يونيو ٢٠٢٦كل المقالات ←
تحليل

مَن نحن الآن؟

كنا المدرسة التي ينسخها الخليج، ثم ذابت ملامح وجهنا واحدة واحدة. المقعد لم يُسرق، نحن من فقدنا هويتنا. فمن نحن الآن؟

قبل أن نكون لاعباً في الإقليم، كنا المدرسة. الكويت سبقت الجميع: ريادة في الصحافة والثقافة والفن، وأول سوق مال في الخليج، وأول من جلس وسيطاً بين المتخاصمين. كان الخليج ينظر إلينا ويقتدي، وكان للكويت وجه يعرفه العالم.

ثم، واحداً واحداً، ذابت ملامح ذلك الوجه. الوساطة التي تميّزنا بها أتقنتها عُمان أكثر، ومارستها قطر أوسع، حتى رعت اتفاق أمريكا وإيران. والمال والثقافة والحداثة صارت عناوين لمدن أخرى: دبي وأبوظبي والدوحة والرياض. كل دور كنا روّاده، وجد صاحباً جديداً يؤدّيه أكبر وأجرأ. لم يعد ما يميّزنا حكراً علينا.

ثم، واحداً واحداً، ذابت ملامح ذلك الوجه.

والأخطر أن قواعد اللعبة نفسها تبدّلت. صار الخليج أقصى ما يكون: مشاريع عملاقة، وصفقات جريئة، وحضور يفرض نفسه بالمال والسرعة. وفي وسط هذا الزحام بقينا نحن الدولة الهادئة الحذرة، نحمل أدوات زمن مضى. حتى أموالنا صارت تسافر لتبني ناطحات غيرنا، بينما مشاريعنا تنتظر.

وهنا المعضلة الحقيقية. نحن دولة صغيرة، لا نغلب الكبار بحجم ولا بثروة. الدولة الصغيرة لا تحجز مقعدها بالقوة. تحجزه بأن تكون شيئاً واضحاً لا يخطئه أحد. وحين فقدنا أدوارنا القديمة، لم نختر دوراً جديداً. صرنا نمشي في شارع مشمس مزدحم، لكننا نمشي بلا بصر، تتجاذبنا ضغوط الداخل والخارج، ولا نكاد نرى وجوهنا في المرآة.

والجواب ليس أن نعود إلى الوراء. لن نكون وسيط الأمس، فالمقعد محجوز. الجواب أن نقرّر من نريد أن نكون غداً، ونصنع لأنفسنا قيمة لا توجد إلا عندنا. فالكرسي لا يُمنح حنيناً إلى ماضٍ، يُمنح لمن يعرف ماذا يقدّم اليوم.

فلنطرح السؤال بلا خوف، السؤال الذي نهرب منه: من نحن الآن؟ يوم نجيب عليه بصدق، نعود إلى الطاولة. وحتى ذلك اليوم، سنبقى نتفرّج على من يكتب مستقبل منطقتنا، من مقاعد كانت يوماً لنا.

المصادر

  1. AGSIالكويت: البحث عن توازن في خليج أقصوي
  2. Middle East Instituteالكويت على مفترق طرق
  3. The Washington Instituteدور الكويت في الوساطة الإقليمية وتراجعه
  4. The Nationalالدبلوماسية العربية تتكثّف مع مفاوضات أمريكا وإيران وجولة روبيو
  5. إيلافإيلاف الكويت وإدارة أزمات الخليجي