في مكتبٍ هادئٍ بتل أبيب، يجلس باحثٌ إسرائيليٌّ يقرأ صحفَنا.. لا صحفَ اليوم وحدها، بل صحفاً تعود إلى عام 1887! ثلاثون تيرابايت من صحافتنا العربية مرقمنةٌ عنده، عشرةُ آلاف عنوان، يقلّبها صباحَ مساء ليعرف كيف نفكّر، وبماذا نحلم، وأين نحن ضعفاء. إنهم يقرأوننا منذ أكثر من قرن.. ونحن، يا سادة، بالكاد نعرف أسماءَ مراكزهم!
وقبل أن يقول قائلٌ إنّها مبالغة، اسمعوا هذه: في يوليو الماضي، أمرت استخباراتُ إسرائيل العسكرية أن يدرس كلُّ ضابطٍ فيها الإسلامَ، ونصفُهم اللغةَ العربية، قبل نهاية 2026. واعترف كبيرُهم على الملأ: «لم نكن جيّدين بما يكفي في الثقافة واللغة والإسلام». تأمّلوها جيّداً.. هذا الذي يملك أضخمَ أرشيفٍ عنّا، ويُدرّس العربيةَ في جامعته منذ عام 1926، يرى أنّ معرفتَه بنا لا تكفيه فيأمر بالمزيد! فكيف بمن لا يدرسنا أصلاً؟!
قبل أشهر، جلس الأمير تركي الفيصل، وهو رجلٌ خبر مواقعَ القرار أربعةً وعشرين عاماً، يتحدّث عن البيت الخليجي وسط إقليمٍ يغرق في المآسي. قال إنّ مجلس التعاون كيانٌ متين، صمد منذ الحرب العراقية الإيرانية يوم كانت ناقلاتُنا تُقصَف وقادتُنا يُستهدفون، ووقف صفّاً واحداً خلف الكويت حتى حُرّرت بتأييد أكثر من خمسٍ وثلاثين دولة. وقالها بصراحةٍ نادرة: الخلافُ بين السعودية والإمارات لن يدوم، وقد تجاوزنا ما هو أكبر منه. ثمّ صفع الطاولةَ بحقيقةٍ يهرب منها كثيرون: أمريكا لم تعد، منذ ستّين عاماً، ذلك المنارَ الذي ظنناه.
وها هي الحقيقةُ تصفعنا نحن أيضاً. في فبراير الماضي، ضُربت دولُ الخليج الستّ كلُّها في أقلّ من أربعٍ وعشرين ساعة.. لأول مرّةٍ في تاريخنا! صار التهديدُ واحداً، وبقي الدفاعُ تابعاً لغيرنا. نعم، راداراتنا اليوم مربوطةٌ في صورةٍ جويةٍ واحدة، لكنّ الغرفةَ التي تديرها أمريكيةٌ في قاعدة العديد، لا خليجية. نحن نرى صاروخَ الموتِ القادمَ بعيونٍ مستعارة! ويومَ تتبدّل حساباتُ صاحب المظلّة، تنطفئ الصورةُ كلُّها.. ونعود عُمياناً.
ننفق المليارات على السلاح، السعوديةُ وحدها أكثرَ من ثمانين ملياراً في سنةٍ واحدة، ثمّ يشتري كلٌّ منّا من بابٍ: هذا أمريكيٌّ، وذاك كوريٌّ، وثالثٌ أوروبي، بلا منظومةٍ واحدةٍ نملكها نحن. نشتري القوّةَ ولا نصنعها، ونستأجر العيونَ ولا نملكها.
لكنّ الفضيحةَ الكبرى لا تكمن في السلاح. إنها في العقل. خصومُنا يدرسوننا إلى العظم، ونحن لا نملك مركزاً خليجيّاً واحداً يدرسهم! ستّةُ مراكزَ وطنيةٍ متناثرة، كلٌّ في بلده، كلٌّ يخدم أولوياتِه، لا تجمعها رايةٌ واحدة. ولا جامعةَ خليجيةً واحدةً تُعلّم أبناءَنا جغرافيا هذا الإقليم وتاريخَه وأطماعَ الطامعين فيه. عندنا المالُ، وعندنا العقول.. وينقصنا القرار وحده!
تخيّلوا.. جزءٌ يسيرٌ من خمسة تريليونات دولارٍ ترقد في صناديقنا السيادية، يُحوَّل إلى مؤسّسةٍ خليجيةٍ واحدةٍ كبرى: تجمع خيرةَ عقول الدول الستّ، تدرس إيرانَ وإسرائيلَ والكبار، تقرأ خطابَهم بلغاتهم، وتُخرّج جيلاً يعرف عدوَّه قبل أن يجلس أمامه على طاولة. عيونٌ خليجيةٌ لا تنام، تراقب كلَّ يدٍ تمتدّ إلى خريطتنا. وكم تكلّف؟ أقلَّ من ثمن صفقةِ سلاحٍ واحدة! المالُ موجود، والذريعةُ ساقطة.
سيقولون: الوحدةُ صعبة. نعم، صعبة. تعثّر الاتحادُ الخليجي قبل عقد، وعجز المجلسُ عن رأب مقاطعةٍ وقعت بيننا قبل سنوات. لكنّ مدخلَ الأمير تركي هو الصواب: نعترف بالخلاف بصوتٍ عالٍ، ونثق بأنّه عابر، ونعمل. ومن لم يكن مستعدّاً لمشروعٍ بهذا الحجم، فليرفع يدَه اليوم، حتى يبنيَ القادرون على أرضٍ صلبة، لا على رمال.
أمّةٌ يقرؤها عدوُّها منذ عام 1887 وهي لا تقرؤه، أمّةٌ تجلس إلى طاولة التفاوض وعيناها مغمضتان. الخصمُ يعرف اسمَ شارعنا، ونحن لا نعرف اسمَ مركزه! فإمّا أن نفتح أعينَنا ونصنع عقلَنا الجامع، أو نبقى نُدرَسُ كالفريسة.. ونُفاجأ في كلِّ مرّةٍ بأنّ القرارَ، مرّةً أخرى، اتُّخِذ فوق رؤوسنا.