يبدأ ماركو روبيو جولة خليجية تشمل الإمارات والبحرين والكويت، وتغيب عنها ثلاث: السعودية وقطر وعُمان. وما إن أُعلن المسار حتى انفجرت العناوين: روبيو جاء يتسوّل، جاء ليُبرم صفقة الثلاثمئة مليار، ويُجبر هذه الدول الثلاث على دفع فاتورة إعمار إيران. لكن من يقرأ ما خلف الكواليس يجد صورة أهدأ بكثير، وأذكى بكثير.
ابدأ بالسؤال الذي يشغل الجميع: لماذا هذه الثلاث دون غيرها؟ الحقيقة أن الغائبات لم تُستبعد، فكل واحدة منهن كانت تُعالَج في قناتها الخاصة في اللحظة ذاتها. محطة روبيو في البحرين تتضمن اجتماعاً كاملاً مع مجلس التعاون الخليجي بأعضائه الستة، فالسعودية وقطر وعُمان حاضرات على الطاولة الجماعية لا غائبات عنها. وقطر تحديداً كان رئيس وزرائها في سويسرا يقف إلى جانب نائب الرئيس الأمريكي فانس، وسيطاً في اتفاق إيران ومسار الستين يوماً، فأي حاجة لزيارتها وهي في قلب الصفقة؟ وعُمان هي الوسيط المنصوص عليه في الاتفاق نفسه بشأن مضيق هرمز، وقد طار إليها وزير خارجية إيران ليرتب ملف المضيق مباشرة. أما السعودية فتُعالَج على مستوى القمة، وقد شكر ترامب علناً «القيادة الحكيمة للمملكة» بين من سهّلوا الاتفاق. فروبيو لم يأتِ ليطوف الخليج كله، إنما جاء ليطمئن الحلفاء الذين تخاطبهم أمريكا مباشرة، بينما الثلاث الأخرى منهمكة في مساراتها.
ثم تأتي الكذبة الأكبر: أن الزيارة من أجل المال. الأجندة المعلنة لا تذكر المليارات. هي تسويق اتفاق إيران، وترتيب مضيق هرمز، وطمأنة الحلفاء. أما رقم الثلاثمئة مليار فمقترح معلّق في الهواء، لم يُوقَّع ولم يُحسم. وترامب نفسه حسمها بكلمة: أمريكا لن تدفع عشرة سنتات. فهي ليست أموالاً أمريكية أصلاً، والخليج متردد رافض، يخشى أن تعيد إيران بناء سلاحها بأي مال يصلها.
وهنا المفارقة التي تسقط الضجة كلها: إيران لا تكاد تلمس مليارها المجمدة من الأساس، محبوسة بين بنوك وأحكام محاكم ومفاتيح بيد غيرها. فعن أي إعمار يتحدثون، وبأي مال لم يصل صاحبه بعد؟
هذه هي القصة حين تُقرأ بهدوء: لا تسوّل محسوم، ولا صفقة منتهية، فقط توزيع أدوار منسّق ومفاوضة متعثرة على رقم موهوم. فلا تبنِ غضبك على صرخة عابرة في هاشتاغ. اقرأ أولاً، ثم انفعل.