حين تتغيّر قواعد اللعبة، لا ينجو إلا من قرأ الإشارة مبكراً. وأمريكا اليوم لا ترحل عن المنطقة، لكنها تبدّل طريقة بقائها: تسحب أقدامها من الأرض وتُبقي يدها على الخيوط. خرجت من سوريا، وتطوي وجودها في العراق، وتعهّدت في مذكرتها مع إيران أن تبتعد عن حدودها.
والأخطر من هذا كله قبل أن تشتعل الحرب على إيران بخمسة أسابيع، كتبت أمريكا في وثيقة دفاعها الجديدة، بصريح العبارة، أن على دول الخليج أن تتحمّل "المسؤولية الأولى" في مواجهة إيران! قالتها سلفاً، مكتوبةً وموقّعةً، ثم جاءت الحرب فأثبتتها، وسقطت الصواريخ على قواعدها فوق أرضنا. الورقة كانت أمامنا قبل الرصاصة الأولى، فهل قرأناها؟! الرسالة وصلت، والسؤال المخجل: من منّا سمعها؟
سمعتها السعودية وحدها، وتحرّكت.
في الوقت الذي تستقبل فيه أمريكا بالأحضان، أخذت منها كل ما تقدر: صفة الحليف الأبرز من خارج الناتو، وصفقة طائرات إف-35 هي الأولى لدولة عربية، واتفاقاً نووياً مدنياً سقطت منه قيود التخصيب القديمة. وما اكتفت بالوعود، أمسكت أوراقاً بيدها!
لكن الأذكى أنها في الوقت نفسه بنت بديلها ليوم يغيب فيه الحليف. وقّعت مع باكستان النووية اتفاق دفاع مشترك. ومدّت مع تركيا خطّ سكّةٍ وتجارةٍ يلتفّ حول مضيق هرمز، كي لا يبقى رزقها رهن ممرٍّ واحد تقف إيران على بابه. وفتحت اقتصادها للصين في الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي والدفع. سلاحها أمريكي، واقتصادها يتنوّع شرقاً. لا تضع بيضها كله في سلّة قوةٍ واحدة، لئلا تملك تلك القوة قرارها يوم تشاء!
هذا هو التأمين الصامت: تأخذ من الحليف أقصى ما يعطي، وتبني في الظل ما تحتاجه يوم يرحل. لا تصرخ بأنها تستدير، ولا تحرق جسراً، لكنها تمدّ جسوراً أخرى تحت الطاولة. وحين قال سمو وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان إن "أوروبا الجديدة هي الشرق الأوسط"، فهو يرسم مشروعاً ويستعدّ له من اليوم.
وهنا يبدأ سؤالنا نحن، ويا له من سؤال موجع! الخليج كله يقف أمام المعادلة ذاتها. أمريكا تخفّف حضورها، وإيران تتربّص بالماء، والجغرافيا لا ترحم: من لا منفذ له غير هرمز يبقى رهين من يقف على الباب! السعودية تبني منافذها وردعها وتحالفاتها. فماذا نبني نحن؟! هل ننتظر حامياً لا يضمن أحدٌ بقاءه، أم نصنع أمننا بأيدينا، ومعاً؟
يوم يرحل الأمريكي، لن تسأل الجغرافيا من أحبّه أكثر. ستسأل من استعدّ! من أمّن نفسه يبقى واقفاً، ومن اكتفى بالرجاء ينكشف. السعودية فهمت أولاً، وفي فهمها درسٌ لنا لا مهرب منه. والخليج الذي لا يلتقط الدرس، يُورَّث ولا يَرِث. فهل ننتظر حتى تقرّر الجغرافيا عنّا؟!