الليلة دخلت الدبابات المنطقة الخضراء في بغداد. لكنها هذه المرة دبابات الدولة، تطارد اللصوص في عقر دارهم!
جهاز مكافحة الإرهاب، وهو يتبع رئيس الوزراء مباشرة، اقتحم المجمّع السكني داخل الخضراء، وأغلق المنطقة، وبدأ حملة اعتقالاتٍ تطال كبار الطبقة السياسية بتهم فساد. وأول الأسماء: مثنى السامرائي، رئيس تحالف عزم، نافذٌ لطالما وصفته الأصوات المناهضة لإيران بأنه أداةٌ يدعمها حلفاء إيران لتفتيت السنة.
ولمن يهوّن الأمر بحجة أنه سنّي: لا تنشغل بمذهب الرجل، انشغل بمن يطعمه ومن يحميه. الولاء لإيران يلبس ثوب كل طائفة، والفساد لا دين له ولا مذهب!
عشرون عاماً والمنطقة الخضراء قلعةٌ محصّنة لطبقةٍ نهبت البلد وتقاسمته، تحتمي بالفصيل المسلّح وبالوصاية الإيرانية، بينما العراقي يجلس في الظلام بلا كهرباء ولا خدمة ولا كرامة. الليلة طُرق باب القلعة، من الداخل، وبيد الدولة. وهذا وحده مشهدٌ تاريخي!
ولا يأتي هذا في فراغ. يتزامن مع حملة الزيدي لحصر السلاح بيد الدولة، ومع دفعٍ أمريكي عبر مبعوثه باراك لانتزاع العراق من فلك إيران. الجسد الذي جُعل رئةً لإيران يحاول أن يلتقط أنفاسه أخيراً.
وأنا ككويتي، أعرف ثمن عراقٍ مخطوف أكثر من كثيرين. خمسةٌ وثلاثون عاماً، ومن يخطف العراق يصوّب فوهته نحونا أولاً. صدّام ابتلع بلدنا في عام 1990. وحين ورثت إيران العراق، صار منصّةً تنطلق منها المسيّرات والصواريخ التي ضربت مطارنا وأحياءنا قبل أسابيع. الكويت وحدها في الخليج تجلس بين جارين مخطوفين، فكنّا الباب الأقرب الذي يُقرَع بالنار كلما غضب الخاطف!
لكن لا تُسيئوا فهمي: لا نفرح بعراقٍ مهزوم، ولا نريده خادماً يحرسنا. العراق لم يكن عدوّنا يوماً، العدو من اختطفه: نظام صدّام بالأمس، وميليشيات إيران اليوم. وحين ينظّف العراق بيته، فهو يتحرّر من اليد نفسها التي أدمتنا معاً. لا نريده درعاً نحتمي خلفه، نريده أخاً يقف على قدميه. نجاته نجاتنا، وكرامته من كرامتنا.
ولنكن صادقين، فالاختبار الحقيقي قادم: هل تصل الحملة إلى الفصائل المسلّحة، أم تتوقف عند السياسيين؟ وهل هي قضاءٌ ونزاهة، أم تصفية حساباتٍ قبل الانتخابات؟ هنا يُعرف إن كان تطهيراً حقيقياً أم إعادة توزيعٍ للغنيمة.
ومع ذلك تبقى الصورة مدوّية: الدولة العراقية، من القمة، تقتحم القلعة التي طالما حكمتها. وإن صمد القرار، فالعراق يستعيد بيته، ونستعيد معه جاراً عُوفي من سمّه. العراق الحرّ بيته الطبيعي بين إخوانه العرب، بعيداً عن سطوة إيران.