نسمّي أنفسنا "مجلس تعاون". ست دولٍ، لسانٌ واحد، تاريخٌ واحد، خطرٌ واحد. وفي قمة جدة رفعنا شعاراً جميلاً: الاعتداء على واحدٍ اعتداءٌ على الجميع. كلامٌ يُثلج الصدر. لكن حين جاءت النار، تحرّكت كلُّ دولةٍ وحدها!
سقطت الصواريخ والمسيّرات على أكثر من عاصمةٍ خليجية، ووُقّعت صفقةٌ تقرّر مصير مياهنا في هرمز. فماذا فعل المجلس كمجلس؟ عقد القمم، وأصدر البيانات، وأعلن مشاريع على الورق: إنذارٌ مبكر موحّد، وأنبوبٌ يلتفّ حول المضيق، وسكة حديد. قراراتٌ جميلة تنتظر التنفيذ منذ سنين. أما على الأرض فكلٌّ لعب لنفسه: قطر تفاوضت بقوة لأن غازها بلا الممرّ بلا روح، وعُمان أدارت الملف بحكم علاقتها بإيران، وكلٌّ يمثّل نفسه. هو التشتّت بعينه: ست دولٍ، وست أجندات، وصوتٌ واحد مفقود.
والأنكى أننا لم نكن ست أجنداتٍ فحسب، كنّا فريقين! فريقٌ أراد التهدئة , السعودية وعُمان وقطر والكويت , وفريقٌ متشدّد تقدّمته الإمارات أراد أن تُنهي أمريكا وإسرائيل إيران تماماً. ستة إخوة، ومعسكران. وهكذا يرانا العدو: شقوقاً يتسلّل من بينها، لا جداراً يصدّه.
والمجلس دائماً ردُّ فعل: يتحرّك بعد سقوط الصاروخ لا قبله، يُصدر البيان ولا يمنع الكارثة. نلملم الزجاج المكسور، ولا نسبق كسره. أمّةٌ تنتظر الضربة لتجتمع، تبقى دائماً متأخّرةً خطوة.
خمسةٌ وأربعون عاماً من القمم والبيانات. سوقٌ مشتركة تتعثّر، وعملةٌ موحّدة وُلدت ميتة، ودفاعٌ نسمّيه خليجياً ودماغه أمريكي. الوحدة في الخطابات، والفُرقة في الأزمات. نتعانق في الصور، ونفترق عند أول رصاصة.
ومن يأكل من هذا؟ كل شِقٍّ في جدار الخليج هديةٌ مجانية. إيران تتسلّل منه، وإسرائيل تتغذّى عليه. انقسامنا هو سلاحهم الأمضى، نصنعه لهم بأيدينا ونهديهم إياه على طبق!
وأنا لا أصوّب على جارٍ دون جار، أصوّب علينا جميعاً. فالعيب أننا نملك كل أسباب القوة، المال والموقع والطاقة والشعوب، ونأبى أن نجمعها في يدٍ واحدة. نخاف من الوحدة أكثر مما نخاف من العدو، وكأن كرسيّ كلٍّ منّا أغلى من البيت الذي يظلّلنا جميعاً.
وسيقول قائل: وماذا تريد منهم أكثر؟ أقول: حوّلوا الشعار إلى آلة. صوتٌ تفاوضيٌّ واحد يجلس على الطاولة باسم الخليج كله. وقيادةٌ عسكرية مشتركة دماغها منّا نحن. وتنفيذٌ بمواعيد محدّدة للإنذار المبكر والأنبوب والمخزون الاستراتيجي. فجملة "الاعتداء على واحدٍ اعتداءٌ على الجميع" لا تساوي حبرها، ما لم يكن خلفها زرٌّ واحد يُضغط، ويدٌ واحدة تردّ. حين تعود النار، وستعود، إمّا أن نقف صفّاً واحداً، أو يُلتقَط كلٌّ منّا وحده.
الخليج الذي لا يتوحّد، يُورَّث. والذي لا يصنع صوته، يُتكلَّم باسمه. فإمّا أن نكون مجلساً واحداً بقرارٍ واحد، أو نبقى ست ورقاتٍ يلعب بها الكبار. القوة موجودة، الناقص هو الإرادة. فمتى نجمعها، قبل أن تُجمَع علينا؟