حِبرٌ من الجيلِ الثالث · منذ ١٩٦١
مقال · ٠٢٥ · ٢٦ يوليو ٢٠٢٦كل المقالات ←
تحليل

هدنة بلا أب

ثلاثةَ عشرَ يومًا والنارُ تأكل سماءَ المنطقة: أمريكا تفكك إيران جسرًا جسرًا ومحطةً محطة، وإيران "ترد". ثم أمس، فجأة: لا شيء. لا غارة، ولا مسيّرة، ولا حتى بيان. ومن تابعنا يعرف قاعدةَ هذه الصفحة: في هذه المنطقة لا شيء اسمه صدفة، وكلُّ صمتٍ جملةٌ لم تُنطق بعد. فلنترجمها.

ثلاثةَ عشرَ يومًا والنارُ تأكل سماءَ المنطقة: أمريكا تفكك إيران جسرًا جسرًا ومحطةً محطة، وإيران "ترد". ثم أمس، فجأة: لا شيء. لا غارة، ولا مسيّرة، ولا حتى بيان. ومن تابعنا يعرف قاعدةَ هذه الصفحة: في هذه المنطقة لا شيء اسمه صدفة، وكلُّ صمتٍ جملةٌ لم تُنطق بعد. فلنترجمها.

وقبل أن نقرأ الصمت، لنقرأ الكذبةَ التي سبقته. قالت إيران "العينُ بالعين"، ثم صوّبت على محطةِ تحليةٍ في الكويت، وكهرباءِ الكويتيين ومائهم ومطارِهم، وتحليةِ البحرين. وسمّت ذلك كلَّه "منشآتٍ أمريكية". منذ متى كان ماءُ شربِ الناس قاعدةً عسكريةً أمريكية؟ حتى الصحافة الأمريكية كتبتها ببرودةٍ فاضحة: أمريكا تضرب الجسور في إيران، وإيران تضرب محطةَ تحليةِ المياه في الكويت. عجزوا عن عينِ أمريكا، فاقتلعوا أعينَنا نحن. هذا هو "الرد" منذ ٢٨ فبراير: مئاتُ المسيّرات علينا، لا على من يحاربهم.

عجزوا عن عينِ أمريكا، فاقتلعوا أعينَنا نحن.

ثم جاء الخامسُ والعشرون من يوليو: لأول مرةٍ منذ أسبوعين، لا ضربات أمريكية، ولا سماء ملتهبة، ولا أحد أعلن شيئًا. لا وثيقة، ولا مؤتمر، ولا حتى تغريدة. هدنةٌ بلا أبٍ يعترف بها. والفرقُ جوهري: الهدنةُ المعلنةُ وثيقة، أما الخرساءُ فرسالة.

مفتاحُ الرسالة وصل قبلها بيوم: وفدٌ عمانيٌّ في إيران، والعنوانُ المعلن "تنسيق الملاحة في هرمز". لكن مسؤولَ الوساطة نفسَه كشف أن التفاوض يدور حول العودة إلى اتفاق الهدنة المؤقتة. فلنسمِّ الأشياءَ بأسمائها: هذه مفاوضاتُ هدنةٍ بين أمريكا وإيران تلبس ثوبًا عمانيًا، لأن آخرَ هدنةٍ حملت اسمًا رسميًا ماتت ميتةً مشهورةً على الهواء. وعُمان، التي وُلد من رحم وساطتها اتفاقُ ٢٠١٥ نفسُه، لا تفاوض بدلًا من أمريكا. عُمان تحمل حقيبةَ أمريكا حين تريد أمريكا أن تفاوض بلا صوت.

وترامب لم يخفِ شيئًا، قالها بالحرف: "نفكّكهم قطعةً قطعة... أو نتفاوض معهم، وهو ما نفعله الآن أيضًا". كلمةُ "أيضًا" هي المقال كله: القصفُ والتفاوضُ عنده يدان لجسدٍ واحد، تضرب إحداهما وتصافح الأخرى. المطرقةُ لم تُرمَ. وُضعت على الطاولة حيث يراها الجميع.

ثم جاء التسريبُ الذي عرّى الهدوءَ من آخر ورقة توت. نيويورك تايمز: ترامب أوقف خطةً جاهزةً لتوسيع الحرب، لا لأن الدبلوماسية أثمرت، بل لأن مستشاريه حذّروه أن الجعبةَ تفرَغ. أكثرُ من ١٢٠٠ صاروخ باتريوت احترق حتى أبريل وحده، بأربعة ملايين دولار للواحد، وصاروخٌ إيرانيٌّ اخترق الدفاعاتِ قبل أيامٍ وقتل ثلاثةَ جنودٍ أمريكيين في الأردن. فهذه الهدنةُ ليست ورعًا ولا حكمة. جعبةٌ فارغةٌ تتظاهر بالصبر. وفي التسريب سطران لنا نحن بالذات. الأول: الصواريخُ المستنزفةُ هي نفسُها التي تظلل الكويتَ والبحرينَ والإماراتِ والأردن، فالدرعُ الذي قلنا في "وريث الدرع" إن غيرَنا يملك مفتاحَه، تبيّن اليوم أن له قاعًا يُرى بالعين. والثاني أقسى: من أسباب التريث "خشيةُ تعريضِ حلفاء الخليج للخطر". اقرأها مرتين: نحن في حساباتهم بندُ تكلفةٍ يُوزن، لا شريكُ قرارٍ يُستشار.

والخطةُ الموقوفة ليست تكهنًا، بل بنكُ أهدافٍ مطبوعٌ في الأدراج، من زوارق الحرس الثوري إلى المنشآت النووية، ينتظر توقيعَ النسخة الأخيرة. وضيفُ الثلاثاء قادم: نتنياهو في البيت الأبيض، والتقاريرُ تقول إن ترامب يدرس استئنافَ العمليات الكبرى، وربما بحملةٍ مشتركةٍ مع إسرائيل، بل وتذكّر أن الزياراتِ الرفيعةَ استُخدمت من قبلُ ساترَ تمويهٍ قبل ضرباتٍ على إيران. ومن يجهّز للسلام، لا يتصدر جدولَ أعماله بندُ "استئناف العمليات الكبرى".

ولا ننسى لماذا اشتعلت الحربُ أصلًا: ليس لأجل رسوم ملاحة، بل لنزع قدرةِ إيران النووية، واستخباراتُ أمريكا نفسُها تقول إن مرشدَ إيران الجديد أقربُ إلى القنبلة من أبيه. وهدنةٌ تسكت عن سببِ الحرب لا تُنهي الحرب. أما الإنصاف فنعطيه كاملًا: قد يكون الهدوء مخرجًا حقيقيًا، فترامب رجلُ صفقات، والإنهاكُ بلغ الجميع، وفي إدارته تيارٌ يفضل العقوباتِ على الحرب. نحن لا ندّعي الغيب، نرتّب المؤشرات فقط: هدنةٌ بلا اسم، ووسيطٌ بلا صوت، وجعبةٌ تُملأ من جديد، وضيفٌ ملفُّه الحربُ المشتركة. رتّبها كيف شئت، فلن تخرج منها صورةُ سلامٍ وشيك.

أما نحن في الخليج، فلنقرأ هذا الصمتَ بعيونٍ لا تطرف، لأننا نحن من دفع ثمنَ الضجيج: ماؤنا الذي سُمّي هدفًا أمريكيًا، وكهرباؤنا التي أُطفئت باسم ثأرٍ ليس ثأرَنا، وحدودُنا التي احترقت باسم قضايا الآخرين. لم يُدعَ أحدٌ منا إلى الطاولة، ومع ذلك كنا وقودَها الصامت. والصحيفةُ الأمريكيةُ نفسُها تقول إن الذخائرَ تتدفق إلى المنطقة في أيام الهدوء هذه بالذات. فإن عاد القصفُ بعد الثلاثاء، كان الصمتُ تعبئةً بالمعنى الحرفيِّ للكلمة. وإن امتدّ، فستتعلم الخرساءُ الكلام، وسيُكتب اسمُ عُمان في سطرها الأول. وفي الحالين، القاعدةُ لا تتغير: من قرأ الصمتَ اليوم، لا يفاجئه الانفجارُ غدًا.

تابع تدري على إنستاجرام
القصص والمقاطع والتحليل قبل نشره
@tadry.gcc
تطبيق تدري قريباً
نبّهني حين يُطلَق على iOS و Android