تتسارع الأنباء عن اتفاقٍ قريب يُنهي الحرب. وقبل أن نُصفّق للهدوء، يجدر أن نقرأ ما يوضَع فعلاً على الطاولة.
عرضت إيران، بنفسها، تجميد سلاح أذرعها: حزب الله، وحماس، والحوثي، والحشد. «محور المقاومة» الذي رفعته شعاراً أربعين عاماً، تحوّل في لحظةٍ إلى ورقة تفاوض. ومقابل ماذا؟ مقابل ما أرادته منذ البداية: رفع العقوبات عن اقتصادها المنهَك، وطمعٍ قديمٍ في فرض رسومٍ على مضيق هرمز.
هنا يسقط القناع. المقاومة التي بُنيت على دمٍ عربي، تُباع حين يحين الثمن المناسب. والفاتورة دفعها العرب وحدهم: جنوب لبنان محتل، وغزة تحت سيطرةٍ تجاوزت سبعين بالمئة، ومع ذلك تُركت خارج الاتفاق، لأن ورقتها احترقت ولم يبقَ لطهران ما تساوم به عليها. واليمن والعراق أُنهكا باسم قضيةٍ لم تكن يوماً قضيّتهم.
والأبعد من ذلك أنها تخسر حتى ورقتها الأمضى. فالمضيق الذي لغّمته وفرضت على ناقلاته إتاواتٍ مرتفعة، تقول بنود الاتفاق إن عليها أن تعيد فتحه، وتنزع ألغامها بيدها، بلا رسوم. هكذا تبيع طهران آخر أسلحتها في سبيل المال. الصفقة تُعيد المضيق مفتوحاً للعالم، وتُخرجه من قبضتها. لكن لا شيء وُقّع بعد، والطرفان إلى الساعة يختلفان على ماهية ما اتُّفق عليه.
ولا يكتمل المشهد دون ما خلفه. لم تكن هذه الحرب عن إيران وحدها، ولا عن إسرائيل وحدها. كانت فصلاً في صراعٍ أكبر بين واشنطن وبكين، على شريان الطاقة الذي نجلس نحن فوقه. إيران كانت الباب، والصين هي الهدف.
قد يجلب الاتفاق هدوءاً مؤقتاً. لكن على الخليج أن يقرأ الدرس جيداً: نحن في قلب هذه اللعبة، طاولتها وجائزتها معاً. ومن يعرف موقعه.. يُحسن استخدامه.