طوال أربعين عاماً، بنت إيران ما سمّته «محور المقاومة»: حلقةٌ من الأذرع تمتدّ من بيروت إلى غزة، ومن صنعاء إلى بغداد ودمشق. كانت الفكرة بسيطة: أن تُقاتل إيران بعيداً عن حدودها، على أرضٍ عربية، وبدمٍ عربي. واليوم، تتفكّك هذه الحلقة أمام أعيننا، عقدةً تلو الأخرى.
سقطت أولى الحلقات في دمشق، يوم انهار نظام الأسد أواخر عام ٢٠٢٤، فانقطع الجسر البري الذي كان يغذّي أذرع طهران بالسلاح. ثم جاء دور غزة، حيث أُنهكت حماس وتُركت خارج الاتفاق. وفي لبنان، أمرت الحكومة بنزع سلاح حزب الله، وأعلنت نشاطه العسكري «غير شرعي»، فيما يرفض الحزب التسليم شمال الليطاني، عاجزاً عن أكثر من الرفض.
أما المشهد الأوضح، فهو في العراق. للمرّة الأولى، تُسلّم فصائل سلاحها إلى الدولة: «سرايا السلام» أولاً، ثم أعلنت «عصائب أهل الحق» و«كتائب الإمام علي» الحذو نفسه. حتى الحوثي في اليمن خرج من الحرب منهَك القدرة، مقطوع المال.
لكنّ الأمانة تقتضي التحفّظ. فبعض ما يجري في العراق قد يكون شكلياً، سلاحٌ يُنقل «تحت سقف الدولة» بينما يبقى ولاؤه لطهران. والفصائل الأكثر تشدداً، مثل «كتائب حزب الله»، ترفض التسليم وتربطه بخروج القوات الأمريكية. فالمحور يتصدّع، لكنه لم يسقط بالكامل بعد.
ومع ذلك، يبقى الاتجاه واضحاً. إيران تتخلّى عن إمبراطوريتها في سبيل بقائها هي: رفعٌ للعقوبات، وأملٌ في إعادة الإعمار. باعت الأذرع لتشتري الوقت.
وهنا المفارقة الكبرى: حين بُني المحور، كان غرضه أن تبقى النار بعيدةً عن طهران. فإذا انطفأ المحور، لم يبقَ بين النار وإيران أحد. الدرع التي حمت النظام أربعين عاماً تُنزع الآن. ومن يفقد دروعه، يصبح هو الميدان التالي.