حِبرٌ من الجيلِ الثالث · منذ ١٩٦١
مقال · ٠٠٣ · ١٨ يونيو ٢٠٢٦كل المقالات ←
تحليل

المنتصر المهزوم

في الإعلام يبدو المنتصر، وعلى الأرض هو المهزوم. قراءة في المذكرة الأمريكية الإيرانية بعيون الخليج، ولماذا هي استراحةُ محارب.

في الإعلام يبدو المنتصر، وعلى الأرض هو المهزوم. هذه خلاصة مذكرة التفاهم التي وقّعتها أمريكا وإيران، وقُدّمت للعالم على أنّها سلامٌ تاريخيّ، بينما هي في حقيقتها هدنةٌ مؤقّتة بين جولتين.

دخلت إيران التفاوض على ركبتيها. سماؤها مكشوفة، ومنشآتها النووية مضروبة، واقتصادها مخنوق تحت أقسى العقوبات، ونظامها في أضعف لحظاته منذ قيام الجمهورية. لم يبقَ أمامها ما تساوم به سوى بقائها. وهنا جاء الاتفاق ليمنحها ما عجزت عن انتزاعه في الميدان: رفع العقوبات، وإعادة أموالها المجمّدة، وإعفاءات فورية لتصدير نفطها، ووعدٌ باستثمارات قد تبلغ ثلاثمئة مليار. الغريق نجا، لكنّ يدًا من خصمه هي التي انتشلته.

غير أنّ ثمن هذا الإنقاذ لم تدفعه إيران وحدها. فبنود الاتفاق الأربعةَ عشرَ لم تمسّ صواريخ إيران ولا أذرعها. حزب الله، والحوثي، وميليشيات العراق، خرجت من الحرب سليمةً، جاهزةً للجولة القادمة. أمّا مضيق هرمز فقد فُتح مجانًا لستين يومًا فقط، لتبدأ بعدها إيران بفرض «رسوم خدمات» على المرور. وأيّ خدمات؟ إنّها من تزرع الخطر في الممرّ، ثمّ تبيع المرورَ الآمن منه، وتختلق القواعد كما تشاء. والمضيق مشترك بين إيران وعُمان، لكنّ القانون الدولي لا يمنح أيًّا منهما حقَّ الجباية على المرور.

ويبقى السؤال الأهمّ: هل هذا سلامٌ فعلاً؟ من وقّعوه يجيبون بأنفسهم. ترامب يقول إنّه إن لم تنصع إيران فسنعود إلى القصف. ونتنياهو، الذي أُبقي خارج الصفقة وعدّها كارثة، يصفها علنًا بأنّها محطّةٌ في الطريق، وأنّ الحرب تُستأنف باتفاقٍ أو بدونه. حتى أمريكا خرجت من الحرب منهكة، أحرقت نصف صواريخها الدقيقة، وأطلقت ألف صاروخ توماهوك، وتحتاج سنوات لتعيد ملء مخازنها. توقّفت لتلتقط أنفاسها وتعيد تسليح نفسها. ومن هنا يتّضح المعنى. فتح المضيق يُهبط أسعار النفط، ويُنعش الاقتصاد العالمي قبل انتخابات التجديد النصفي. مكسبٌ سياسيٌّ سريع يشتري وقتًا قبل أن تشتعل الجولة التالية. ما وُقّع استراحة محارب، وفتيلٌ يحترق ببطء تحت المنطقة كلّها.

وفي قلب المشهد يجلس الخليج. لم يكن على الطاولة حين رُسم مستقبل مياهه وأمنه، لكنّه يملك قراره. فعُمان ومجلس التعاون يضعان الخطّ: إدارة المضيق تكون بالتوافق والقانون الدولي وموافقة المنظّمة البحرية الدولية.

المنتصر المهزوم لقبٌ يليق بنظامٍ خرج من الحرب يلهث، ثمّ صُوّر منتصرًا. لكنّ من يحتاج إلى عدوّه كي يُنقذه، ويحتفظ بأنيابه دون أن يجرؤ على استخدامها، هو ناجٍ مؤقّت ينتظر الجولة التي يعرف الجميع أنّها آتية. والخليج وحده يملك أن يقرّر ألّا يدفع ثمنها مرّتين.

المصادر

  1. Al-MonitorRead the full 14-point US-Iran deal
  2. CNNUS releases official 14-point agreement with Iran
  3. CNNإيران: «رسوم خدمات» لا رسوم عبور في هرمز
  4. CBS NewsTrump calls the deal "not final," threatens to resume bombing
  5. Times of IsraelNetanyahu: ceasefire "a stop on the way... by agreement or by resuming the fighting"
  6. CSISLast Rounds? US munitions at the Iran war ceasefire