خرجت إيرانُ من الحرب جائعةً منهكة. فحين وُضع أمامها اتفاقُ إسلام آباد، رأت فيه خلاصاً. رفعٌ للحصار، وعودةٌ لبيع النفط، ووعدٌ بخطةِ إعمارٍ لا تقلّ عن ثلاثمئة مليار. لكنها، بدل أن تأكل وتنجو، مدّت يدها إلى ما ليس لها، فأطبق الفخُّ على رقبتها.
كان الطُّعم في بندٍ واحد. الاتفاقُ أربعةَ عشرَ بنداً، جميعها واضح، إلا البند الخامس، بند مضيق هرمز. كُتب بعباراتٍ مطّاطة، "بذلُ أفضل الجهود" لتأمين مرور السفن، و"إدارةٌ مستقبلية" للمضيق. قرأتها إيرانُ إذناً بالسيطرة، ففرضت "طبيعةً جديدة"، تمرّ السفنُ من مياهها أو تُضرب. فضربت ناقلةَ غازٍ قطرية، وناقلةَ نفطٍ سعودية، وسفينةَ حاويات، ثلاثَ سفنٍ في يوم، ثم أعلنت المضيق مغلقاً "حتى إشعارٍ آخر".
ومضيق هرمز يمرّ به نحو خُمس نفط العالم. فحين لمسته إيران، قفزت الأسعار، وارتجفت الأسواق، وانقلب العالمُ عليها. أدانت الأممُ المتحدة "الهجمات المتهورة"، ووصفتها السعودية اعتداءً على الملاحة، وتحرّكت فرنسا وبريطانيا لتشكيل مهمةٍ بحريةٍ متعددة الجنسيات. حتى ترامب، الذي كان الكونغرس يضغط عليه لإنهاء حربٍ لم يأذن بها، وجد في "إيران المعتدية" مخرجه، فأعلن الاتفاق منتهياً وأمطرها بموجاتٍ من الضربات بلغت في آخرها نحو مئةٍ وأربعين هدفاً.
لنقلها كما هي
وهنا يجب أن نقول الحقيقة كما هي، لا كما نشتهيها. ما تفعله إيرانُ ليس تخبّطاً أعمى. إنها استراتيجيةٌ باردة اسمها البقاء. النظامُ يعرف أنه لا يقدر على هزيمة أمريكا، فيرفع كلفة الحرب على الجميع, يضرب النفط، ويقفل الملاحة، ويؤلم الجيران، حتى يُنهك خصومه ويجبرهم على التوقّف. وقد أطلق على الإمارات وحدها ما يقارب ألفين من الصواريخ والمسيّرات، أكثر مما أطلق على إسرائيل. فهو يقاتل، ويؤلم، ويصمد. من يُنكر ذلك يكذب على نفسه.
لكنّ أن تؤلم شيء، وأن تنتصر شيءٌ آخر. فهذه الاستراتيجية تخسر هدفها الأول. لم تُوقف الحرب، وإنما وحّدت العالم ضدّها. والأخطر أن من يديرها اليوم ليس دولةً تزن مصلحتها الوطنية، وإنما حرسٌ ثوريٌّ يقاتل من أجل بقائه هو. فالمرشد الجديد مجتبى خامنئي لم يُرَ منذ الضربة الأولى، صار واجهةً توقّع ما يقرّره الجنرالات، وأُقصي البراغماتيون الذين قد يقبلون صفقة، حتى إنّ التلفزيون الرسمي قطع بثّ قاليباف وهو يدافع عن تنازلات. النظامُ يضرب لأنه لا يملك رجعة، فمن بيدهم القرار تعني لهم التهدئةُ نهايتهم.
صانعُ أعدائه
وهنا المفارقة التي تلخّص كل شيء. إيرانُ التي قامت على عداء إسرائيل وأمريكا، تدفع اليوم جيرانها إلى أحضانهما بيدها. أطلقت على دول الخليج صواريخَ أكثر مما أطلقت على إسرائيل، فماذا جنت؟ الإماراتُ تعلن تعميق تعاونها مع إسرائيل، وترتفع الأصوات في الخليج لبناء دفاعٍ جويٍّ مشترك، ويكتب محلّلون, بينهم كتّابٌ في الجزيرة, أنّ ضرب العرب يخدم إسرائيل. صارت إيرانُ أفضل مجنِّدٍ للتحالف الذي تخشاه. من أراد أن يعرف من يصنع تقارب العرب وإسرائيل، فلينظر إلى صواريخ إيران.
وانظر إلى أذربيجان لتكتمل الصورة. جارةٌ مسلمةٌ تبيع إسرائيلَ نحو أربعين في المئة من نفطها، وتشتري سلاحها، ومن أرضها أطلقت إسرائيلُ مسيّراتها وفرقها الخاصة على شمال إيران، واغتالت من هناك قائداً في استخبارات الحرس الثوري، بل نُسب إليها أنّ طائراتها عبرت الأجواء الأذربيجانية لتضرب العمق الإيراني. ومع ذلك، لم تنَلْ أذربيجانَ من إيران إلا المجاملة. فحين سقطت مسيّرةٌ على مطارٍ أذربيجاني، أنكرت إيرانُ، واتّصل رئيسُها بالرئيس الأذربيجاني ليطمئنه. مسيّرةٌ واحدةٌ على من يفتح أرضه للحرب عليها تستوجب إنكاراً ومكالمة، وآلافُ الصواريخ على العرب المحايدين لا تستوجب شيئاً. واليوم وحده ضربت إيرانُ خمسَ دولٍ خليجية، ووصلت إلى الأردن، وتركت من يستضيف عدوّها. فهذه ليست عقيدةً ضدّ إسرائيل بقدر ما هي سياسةُ من يضرب الأضعف، ويُداري الأقوى.
لكن لنكن دقيقين، فالحقيقة لا تُجاملُ أحداً. الخليجُ لا يركض إلى إسرائيل ركضاً أعمى. هو يوزّع رهاناته, اتفاقٌ دفاعيٌّ مع باكستان، وسلاحٌ من أوروبا، وعلاقاتٌ مع الصين وروسيا، بل وبابٌ يبقى مواربَاً لتهدئةٍ مع إيران إن لزم. والرأيُ العام الخليجي، الغاضبُ من حرب إسرائيل نفسها، يكبح أيّ تطبيعٍ مكشوف. فالخليجُ يقترب من الغرب أمنياً، لكنه يقترب بحذرِ الدبلوماسي، لا بسذاجة التابع.
خاتمة
فهل كان فخّاً نصبته أمريكا بعبارةٍ غامضةٍ تعرف أنّ جشع النظام سيبتلعها؟ أم فخّاً حفره النظامُ بيده؟ لا فرقَ في النتيجة. إيرانُ اليوم وحيدةٌ في مواجهة العالم، تقاتل بشراسةِ من لا يملك ما يخسره. لكنها بكل صاروخٍ يسقط على جارٍ عربي، تبني الجدار الذي سيحاصرها، وتسوق العرب نحو الحضن الذي طالما حذّرتهم منه. والغريقُ حين يجرّ من حوله معه، لا يُنقذ نفسه، وإنما يضمن أن يغرق وقد صنع من كلّ من حوله عدوّاً.