حِبرٌ من الجيلِ الثالث · منذ ١٩٦١
مقال · ٠١٨ · ١٦ يوليو ٢٠٢٦كل المقالات ←
تحليل

ثمن السقوط

في الأيام الأخيرة، بدا الرئيسُ الأمريكيُّ يحرّكُ رقعتين في آنٍ واحد. رفعَ العصا في وجه روسيا، ومدَّ يدَه إلى أوكرانيا، وفي الوقت نفسه جهّزَ لضربةٍ أكبر على إيران. من يقرأُ كلَّ ملفٍّ وحده يراهما حربين منفصلتين. ومن يجمعُهما يرى طاولةً واحدة.

ما الذي يُجهَّزُ لإيران

تكشفُ تقاريرُ متطابقة (CBS، أكسيوس، وول ستريت جورنال، رويترز) أنّ الإدارة الأمريكية تدرسُ توسيعَ الحرب على إيران لإجبارها على التفاوض. ووصفَ مسؤولون الضرباتِ الجارية بأنها "تهيئةٌ للميدان"، تدميرٌ للدفاعات الجوية والرادارات الساحلية ومواقع الصواريخ والمسيّرات، قبل عمليةٍ أعقد. أما الخياراتُ المطروحة فأثقل، إنزالُ قواتٍ على جزيرة خرج التي تصدّرُ جُلَّ نفط إيران، وقصفُ أنفاق "جبل بيك آكس"، والتهديدُ بضربِ محطاتِ الكهرباء والجسور إن لم تجلس إيران للتفاوض. وحين سُئل ترامب عن إرسال قواتٍ برية، لم ينفِها. قال "أحياناً تحتاجُ حملةً برية"، ثم أضاف جملةً تختصرُ الكثير، "آخرون قد يخوضونها عنّا".

جيشٌ منقسمٌ على نفسه

لكنّ الصورةَ داخل الإدارة ليست صفّاً واحداً. وبحسب CBS، حمّلَ ترامب وزيرَ الحرب هيغسيث جانباً من مسؤولية إطالة الحرب، ويرى أنّ الإدارةَ أضاعت فرصةً لتفادي نزاعٍ ممتد حين رُفض عرضٌ إيرانيٌّ لتقييد البرنامج النووي. ويدفعُ هيغسيث نحو التصعيد، بينما يتحفّظُ رئيسُ الأركان دان كين، ويرى ضبّاطٌ في البنتاغون أنّ قائد القيادة المركزية بالغَ في تقدير ما يمكن إنجازه عسكرياً. فالجيشُ الأقوى في العالم يتقدّمُ وهو منقسمٌ على نفسه، وهذه وحدَها إشارةٌ إلى أنّ النصرَ السريع الذي يُسوَّق ليس مضموناً.

لماذا تُكبَحُ إسرائيل؟

يسألُ كثيرون، لماذا تبدو إسرائيلُ مكبوحةً عن توسيع الحرب كما تشتهي؟ الجوابُ جاء من نائب الرئيس الأمريكي نفسِه. قال جي دي فانس في حديثٍ مع جو روغان إنّ داخلَ المنظومة الإسرائيلية من "يتلاعبون، بما لا يدعُ مجالاً للشكّ، بالرأي العام الأمريكي لإبقاء الحرب مستمرة، لا نحو هدف، بل إلى ما لا نهاية". واستشهدَ بتقريرٍ لمجلة تايم يكشفُ حملةً رقميةً موّلتها الحكومةُ الإسرائيلية عبر شركة مدير حملة ترامب السابق براد بارسكيل، بمليونٍ ونصف المليون دولارٍ شهرياً، تدفعُ لمؤثّرين كي يقوّضوا التفاوضَ مع إيران ويُفشلوا الاتفاق. وردَّ فانس بجملةٍ حاسمة، "إلى الجحيم. سأفعلُ ما يلزمُ لمصلحة الأمريكيين. أمثّلُ الأمريكيين أولاً". هذا هو اللجام. الإدارةُ تريدُ صفقةً، ومن يعرقلها، ولو كان حليفاً، يُردُّ عليه علناً.

الطاولةُ الأخرى، أنقرة

وفي الطاولة الأخرى، ذهبَ ترامب إلى قمة الناتو في أنقرة، وما صدرَ عنها هو مربطُ الفرس. منحَ أوكرانيا رخصةَ تصنيع صواريخ باتريوت، وأيّدَ مشروعَ قانونٍ لعقوباتٍ قاسية على روسيا، في انعطافةٍ نحو التشدّد معها بعد أشهرٍ من المهادنة. وهذا هو الثمنُ الذي يدفعُه ترامب للأوروبيين مقابل ما يطلبُه منهم في الملف الإيراني. حين تُعطي الحلفاءَ ما يخشونه من روسيا، تكسبُ منهم ما تريدُه في إيران. فالقمّةُ لم تكن مجاملةً بروتوكولية، كانت مقايضةً هادئة.

هل هي صفقةٌ واحدة؟

من يجمعُ الخيطين يظنُّها صفقةً محكمة، الناتو ينضمُّ لحرب إيران مقابل تشدّدٍ أمريكيٍّ على روسيا. لكنّ الحقيقةَ أهدأُ من هذا الظنّ. أوروبا قدّمت قواعدها وأجواءها ومهمّةً بحريةً في هرمز، وأبقت جنودَها خارج المعركة المباشرة. فما يجري تقاربٌ يُبنى على مصالح متبادلة، لا انضمامٌ كاملٌ إلى القتال. ثم يبقى الرابطُ الذي لا يُجادَلُ فيه. روسيا هي ظهيرُ إيران، تمدُّها بالسلاح والخبرة والغطاء السياسي. فحين تُشدَّدُ العقوباتُ على روسيا ويُسلَّحُ خصمُها في أوكرانيا، يجفُّ أحدُ شرايين إيران دون أن تُطلَقَ رصاصةٌ واحدة في الخليج. إضعافُ الظهير إضعافٌ للمسنود.

إيرانُ تتصدّعُ من الداخل

وبينما تُدارُ هذه الطاولة، تتصدّعُ إيرانُ من داخلها. القيادةُ بعد خامنئي منقسمةٌ ومرتبكة، والشارعُ يغلي. في الثاني عشر من يوليو خرجَ متقاعدون تحت حرٍّ يقاربُ خمسين درجة في شوش وكرمانشاه يهتفون "كفى حروباً، موائدُنا خاوية". وفي اليوم التالي اشتبكَ مدّخرون خُدعوا بشركاتٍ احتيالية مع قوات الأمن. الاقتصادُ ينكمشُ بأكثر من خمسة بالمئة هذا العام، وأربعةٌ وستون بالمئة من الإيرانيين يعيشون على الغضب. النظامُ الذي يفاوضُ في الخارج يترنّحُ في الداخل، وهذا وحدَه ورقةُ ضغطٍ في يد خصومه.

وأين الخليج؟

يبقى السؤالُ الذي يعنينا. أين الخليجُ من كلّ هذا؟ في القلب. فأيُّ توسيعٍ للحرب، إنزالٌ على خرج أو ضربٌ للطاقة، تردُّ عليه إيرانُ حيث تطالُ يدُها، أي في جوارها الخليجي. ولمن يتمنّى سقوطَ نظام إيران، فليعلمْ أنّ الثمنَ سيكونُ باهظاً، وأنّ الخليجَ سيُطلَبُ منه أن يكونَ مستعدّاً لدفعه، فوضى حدودٍ ونزوحٍ وصواريخ وأسواقِ طاقةٍ مضطربة. لكنّ الخليجَ ليس صفّاً واحداً على هذا المنعطف. ليست كلُّ دوله تريدُ سقوطَ إيران، فبعضُها يرى في انهيارها فراغاً أخطرَ من بقائها، ويفضّلُ إيراناً مكبوحةً على جارٍ منهار تتقاذفُه الفوضى. وهنا حكمةُ الخليج، أن يوازنَ بين تحجيم الخطر وتجنّبِ الانهيار، وأن يبقى صاحبَ القرار لا وقودَ المساومة.

خاتمة

الحربان، الروسيةُ والإيرانية، لم تعودا ملفّين منفصلين. صارتا ورقتين على طاولةٍ واحدة يديرُها رجلٌ واحد، بينما يتصدّعُ الخصمُ من داخله. ومن يفهمُ أنها لعبةٌ واحدة، يمسكُ قرارَه قبل أن يُدارَ من فوقه.

تابع تدري على إنستاجرام
القصص والمقاطع والتحليل قبل نشره
@tadry.gcc
تطبيق تدري قريباً
نبّهني حين يُطلَق على iOS و Android