الكل يسأل من ينتصر في هذه الحرب. والجواب الصادق: لا أحد انتصر بعد، ولهذا بالذات لن تتوقف. ما تراه فوضى ليس فوضى، إنه طاولة يجلس حولها أربعة لاعبين، كل يمسك أوراقه، وكل يريد نهاية تخالف نهاية جاره. اقرأ الأوراق، تفهم الحرب.
ابدأ بإيران، وكن صادقا معها كما تكون مع سواها. إيران ليست قوية ولا منتصرة، لكنها ليست تلك الجثة التي يحب بعضنا أن يرسمها. إنها لاعب محاصر يمسك ورقتين خطيرتين ويلعبهما ببرود. الأولى مضيق هرمز: كلما اضطرب المضيق، ارتفع النفط والغاز والقمح، وتذمر الشارع الأمريكي قبيل انتخابات التجديد النصفي، فيُضغط على ترامب لينهي الحرب على عجل. والثانية لبنان: ترفض إيران أن يشتري ترامب رضا إسرائيل بورقة لبنانية، وتصر أن يكون حزب الله جزءا من أي صفقة. وهي لا تقدر أن تلقي الورقتين: لو تركت هرمز، فأي سبب يبقى لترامب كي يدفع؟ ولو تركت لبنان، لقال العراق واليمن وبقايا الشام إن إيران لا تحمي أحدا، فينهار نظام الوكلاء الذي بنته في ٤٠ سنة. لذلك تكابر وترفع الرهان. وما ذاك بقوة، إنما هي ورقة محاصر يعرف أن الطي يعني السقوط.
لكن انتبه، فالأوراق تُربح في العناوين وتُخسر في الأرض. إعلاميا تبدو إيران وكأنها أذلت أعظم قوة في العالم، والقطريون يعينونها على ترويج صورة "المدافع الكبير". أما في الحقيقة فنفطها مخنوق، هبط أكثر من ٩٠٪ حتى صار دخل شهر كامل نحو ٢١٩ مليون دولار، وأموالها ما زالت مجمدة، والعقوبات ما رُفعت، وطائرات أمريكا ما زالت تُقلع من قواعدها في الخليج. إيران تكسب الرواية وتخسر الحرب. ومن قرأ الرواية وحدها، ظن الغريق سباحا.
ولترامب ورقته أيضا. هو يريد الصفقة، لكن لا يريدها تحت الضغط. يريد أن يكسب وقتا يتجاوز به انتخاباته، لا أن يوقع اليوم صفقة تفرضها عليه إيران بشروطها. لذلك بدأ يسحب من إيران ورقتيها، واحدة واحدة. في هرمز فتح ممرات وقال للسفن اعبري وأنا أحميك، فأرسلت إيران صواريخها وضربت الناقلات في المضيق، ومنها ناقلتان إماراتيتان قُتل على متن إحداهما بحار هندي، رسالة مفادها أنكم تعبرون من الطريق الذي نرسمه نحن، لا الذي يرسمه هو. إهانة لواشنطن. وفي لبنان دفع الحكومة اللبنانية إلى توقيع إطار في ٢٦ يونيو ٢٠٢٦ يربط انسحاب إسرائيل بنزع سلاح حزب الله، فرفضه الحزب ووصفه بالاستسلام، وكانت ضربة لصورة إيران التي تزعم أنها حامية لبنان. خطة ترامب ليست قتلة سريعة، هي خناق بطيء يُجبر إيران على التوقيع في وقته هو لا وقتها.
ونتنياهو يمسك أخبث الأوراق: أن لا تنتهي الحرب. عام ٢٠٢٦ عام انتخابات في إسرائيل، والحرب حجر حملته وشهادة بقائه، ولذلك ينقلب على ترامب في اللحظة التي يقترب فيها من صفقة. لا يلعب ليكسب نهاية، يلعب ليطيل اللعبة.
أما الخليج فيريد النقيض من الجميع: مخرجا. لا ناقة له في هذه الحرب ولا جمل، فتحرك كما يتحرك الحكيم لا الضعيف: قنوات مفتوحة عبر مسقط والدوحة، ووساطة أنتجت تفاهم إسلام آباد، ونفط وغاز يتدفق ما استطاع. صحيح أن قطر والكويت والبحرين محبوسون بهرمز بلا منفذ آخر، لكن السعودية تصدر إلى ينبع بأنبوبها، وعمان من موانئها على بحر العرب، والإمارات من الفجيرة. الخليج متضرر، لا مشلول. وهو لا ينتظر الغرب وحده: وقّعت السعودية اتفاق دفاع مشترك مع باكستان النووية عام ٢٠٢٥، اعتداء على أحدهما اعتداء على كليهما، والكويت اليوم تسعى لمثله فتطلب آلاف الجنود والطائرات وأنظمة الدفاع الجوي، والمجلس فعّل اتفاق دفاعه المشترك. الخليج يبحث عن ظهر يسنده في العالم الإسلامي، لا في الغرب وحده. لكن خطره الأكبر ليس القذيفة، بل الانجرار إلى تحالف ضد إيران، فيتحول من متفرج حكيم إلى طرف في حرب ليست حربه. ويوم يدخل الخليج الطاولة لاعبا، تصير حرب إسرائيل حرب الجميع.
وهنا لا بد من صدق في الحوثي: هو حليف لإيران نعم، لكنه ليس دمية في يدها. تعقيد الملف اليمني نفسه، لا أوامر طهران، هو ما مكّنه، وهو يطلق ناره بحسابه الخاص حين يرى مصلحته، حتى إنه رمى السعودية بصاروخ تحذيرا لها أن تبقى خارج المعركة. ورقة تمسكها إيران ولا تملكها بالكامل.
يبقى الخداع الأكبر الذي لا يقولونه لك: الصفقة ليست سلاما. أخطر يوم على الخليج ليس يوم الحرب، بل يوم المصافحة. فحين تتصافح إيران وأمريكا، تُجبر إسرائيل على التراجع، وتطلق إيران وكلاءها من جديد، لا على إسرائيل هذه المرة، بل على الإقليم. الصفقة لا تنهي خطر إيران، إنما تعيد شحنه.
فحين يقولون لك إن الحرب تنتهي، دقق أكثر. الكل حول الطاولة يستعد للجولة القادمة: إسرائيل والإمارات تبنيان قاعدة قرب باب المندب في أرض الصومال لتطويق الحوثي، والخليج يشتري السلاح الغربي ويحصّن نفسه، وإيران تضن بأوراقها الأخيرة. هذه ليست نهاية حرب، إنها استراحة بين شوطين. الحرب القادمة بدأت فعلا، ومن يقرأ الطاولة صحيحا، يتحرك أولا.