لم تشعل أمريكا هذه الحرب دفاعاً عن الخليج، ولا لعيون أحد. أشعلتها لمصلحتها هي، ووثيقة رسمية كتبتها بيدها قبل أن يُطلق أول صاروخ في هذه الحرب تشرح اللعبة من أولها إلى آخرها: من يحمل العبء، ومن يدفع الفاتورة، ومن يجلس في مركز المنطقة حين ينقشع الدخان.
في الثالث والعشرين من يناير، وقبل الحرب بأسابيع، أصدرت وزارة الدفاع الأمريكية استراتيجية دفاعها لعام ٢٠٢٦. لم تكن وثيقة غامضة، ولا تسريباً يحتمل التأويل. قالت بوضوح لا لبس فيه إن عصر الحماية الأمريكية المباشرة قد انتهى، وإن على الحلفاء أن يتولوا الدفاع عن أنفسهم، وإن الخليج تحديداً يتحمل المسؤولية الأولى في ردع إيران، بينما تكتفي واشنطن بالدعم التقني والاستخباراتي واللوجستي. أما أولويتها الكبرى فانتقلت إلى داخلها وإلى مواجهة الصين.
ولماذا يهون الخليج في نظرها إلى هذا الحد؟ لأن الحاجة التي شدّتهما نصف قرن تلاشت. صارت أمريكا أكبر منتج ومصدّر للنفط في العالم، فما عادت تحتاج نفط الخليج كما كانت بالأمس. ومن لا يحتاج سلعتك، لا ينفق دمه وعتاده في حراستك. هذا الهبوط في ترتيبنا حقيقة ملموسة، لا حبر على ورق.
وحتى وهي في خضم حربها، لم تنسَ أمريكا الفاتورة. في الثالث عشر من يوليو طرح ترامب رسماً بنسبة عشرين بالمئة على كل شحنة تعبر مضيق هرمز. رفضه الخليج فوراً، فاستبدله ترامب باستثمارات خليجية ضخمة في الداخل الأمريكي، معللاً ذلك بلسانه بأنه "ليس عدلاً أن نحمي هذا الممر للعالم كله وللصين دون أن نُعوَّض". هكذا، وبكلماته هو، تحولت الحماية من واجب إلى خدمة بأجر.
ثم إنه لا ينوي الرحيل بيد فارغة. بعد أن أزاح النفوذ الإيراني عن بغداد، وقّعت شركاته صفقات تقارب ستين مليار دولار على نفط العراق وطرق طاقة تلتف على هرمز، وقال ترامب صراحة إنه "يعقد صفقات كثيرة مع العراق ويأخذ الكثير من نفطه". يجبي من الخليج، ويقتنص من العراق، ويطمع بنفط فنزويلا وثروات غرينلاند. هذا هو الرحيل الكاذب: أمريكا لا تغادر الخريطة، بل تغادر صفنا. تبقى أساطيلها في مياهنا، لكنها لم تعد لنا.
وهنا يأتي الشق الثاني من الخطة، وهو السؤال الذي كتبته الوثيقة نفسها: إذا فرّغت أمريكا الساحة من إيران، فمن يجلس في المركز؟ الجواب في الاستراتيجية ذاتها. فهي لا تكتفي بسحب اليد الأمريكية، بل توصي صراحة بتمكين الشركاء الإقليميين، وفي مقدمتهم إسرائيل، وبتوسيع اتفاقيات أبراهام ودمج إسرائيل في المنظومة الأمنية للإقليم. المراد أن تحل إسرائيل محل المظلة الأمريكية الغائبة، فتصير هي الحارس والمركز والوريث.
وليست هذه قراءة في النوايا. في مشروع قانون الدفاع الأمريكي لعام ٢٠٢٧ بند يحمل رقم ٢١٩، يؤسس لدمج غير مسبوق بين التكنولوجيا العسكرية الأمريكية والإسرائيلية: دفاع صاروخي، وذكاء اصطناعي، وأنظمة ذاتية التشغيل، وحرب سيبرانية، تُدمج في صميم المنظومة الأمريكية. وعملياً، يجعل هذا البند إسرائيل امتداداً للترسانة الأمريكية، والذراع التي تمسك المنطقة حين تُرفع عنها اليد.
لكن الإنصاف يقتضي القول إن الوريث لم يجلس على العرش بعد. في الثلاثين من يونيو سقط في مجلس النواب الأمريكي التصويت الإجرائي الذي كان سيمهد لتمرير القانون، بنتيجة مئة وثمانية وتسعين صوتاً مقابل مئتين وأربعة وعشرين، وسط معارضة من الحزبين معاً. أي أن هذا الاندماج قيد البناء، لا أمر منجز. والمساعدات الأمريكية المضمونة قانوناً لإسرائيل تمتد حتى عام ٢٠٢٨ لا أبعد. أما حجر الزاوية في المشروع، وهو تطبيع السعودية مع إسرائيل، فقد اصطدم بجدار. الرياض ما زالت تشترط مساراً لا رجعة فيه نحو دولة فلسطينية، ورفضت أن تبدل موقفها رغم ضغط ترامب، حتى إنها نالت صفقاتها الاقتصادية والدفاعية الضخمة دون أن تقايضها بالتطبيع.
هذه هي الصورة مكتملة. أمريكا رسمت مشهد خروجها من دور الحامي، وكسرت إيران لتفرّغ الساحة، وأرسلت الفاتورة إلى الخليج، وأعدّت العرش لوريث اسمه إسرائيل. غير أن هذا الوريث لم يجلس بعد، لأن التشريع تعثّر، ولأن السعودية علّقت التطبيع على ثمن لم يدفعه أحد، ولأن الخليج قرأ اللعبة ولم يوقّع على بياض. المعركة الحقيقية ليست على من يحمي المنطقة، فالمنطقة تحمي نفسها. المعركة على من يملك قرارها. ومن يقرأ الوثيقة اليوم، لا يُفاجأ بها غداً.