حِبرٌ من الجيلِ الثالث · منذ ١٩٦١
مقال · ٠١٩ · ١٧ يوليو ٢٠٢٦كل المقالات ←
تحليل

بترُ الأذرع

اكتشفت إيرانُ في هذه الحرب حقيقةً بسيطة. ضربةٌ واحدة على ناقلةٍ في مضيق هرمز رفعت سعرَ النفط تسعةً في المئة في يومٍ واحد، أكبرَ قفزةٍ يومية منذ ستّ سنوات. لا قنبلةَ تصنعُ ما يصنعُه إغلاقُ ممرٍّ مائي. غير أنّ ما يبدو قوةً في يدها هو في الحقيقة آخرُ ما تبقّى لها. فبينما تُطبقُ إيرانُ على ورقة هرمز، تُقطَعُ باقي أوراقها واحدةً واحدة.

لا قنبلةَ تصنعُ ما يصنعُه إغلاقُ ممرٍّ مائي

منذ منتصف يوليو تتلقّى إيرانُ أعنفَ ضربٍ أمريكيٍّ منذ بدء الحرب. مئاتُ الغارات على عشرات المواقع، من بوشهر إلى بندر عباس، وهدفٌ لا يُخفى، تدميرُ قدرة إيران على تهديد السفن في هرمز. تجاوزت أمريكا مرحلةَ ردع إيران إلى نزع الورقة التي منحتها إياها الحربُ نفسها.

وفي العراق تتساقطُ ورقةٌ ثانية. فرضت حكومةُ الزيدي على الفصائل تسليمَ السلاح قبل الثلاثين من سبتمبر. سلّمت فصائلُ صغيرة سلاحَها رمزياً، ورفض الكبارُ، كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيّد الشهداء، وربطوا نزعَ سلاحهم بخروج القوات الأمريكية. السلاحُ الثقيلُ ما زال في أيدي كبار الفصائل، لكنّ الأرضَ العراقية لم تعُد الملعبَ الآمنَ الذي كانت عليه، وهذا وحده يكفي ليُقلقَ النظامَ الإيراني في لحظته الحرجة.

وفي الشام تُقطَعُ الذراعُ التي بناها النظامُ الإيراني في أربعين عاماً. الطريقُ الذي كان يمتدُّ من إيران إلى العراق فالشام فلبنان، شريانُ حزب الله، صار جداراً. ففي السادس عشر من يوليو أعلنت سوريا ضبطَ شحنةٍ قادمةٍ من العراق نحو حزب الله، أكثرَ من مئة طائرةٍ مسيّرة وصواريخَ كروز، مخبّأةً داخل صهريج نفط. الدولةُ التي كانت معبرَ إيران الأثيرَ صارت تحرسُ البابَ في وجهها.

ولأنّ الأذرعَ تُقطَع، تحاولُ إيرانُ أن تفتحَ ورقةً بعيداً عن هرمز. كشفت وكالةُ رويترز، نقلاً عن ثلاثة مصادر، أنّ إيرانَ طلبت من الحوثيين الاستعدادَ لإغلاق مضيق باب المندب إن ضربت أمريكا شبكةَ كهربائها، وأنّ الحرسَ الثوريَّ الموجودَ في اليمن هو من يملكُ قرارَ الإغلاق. خنّاقان بدل خنّاقٍ واحد. غير أنّ اليدَ التي تمدُّها إيرانُ إلى اليمن تُقطَعُ هي الأخرى. ففي اليوم نفسه ضُبطت في باب المندب شحنةٌ من مكائن تصنيعٍ دقيقة ومحركاتِ طائرات ومعداتِ حفرِ أنفاق، مصنعُ حربٍ كامل أرادت إيرانُ زرعَه على الشاطئ لتثبيتِ قبضتها على الممرّ.

ولأنّ هذا الطريقَ أيضاً يُسَدُّ، رفعت إيرانُ صوتها علناً. كتبت صحيفةُ "كيهان"، لسانُ التيار المتشدّد وأقربُ الأصوات إلى القرار، داعيةً صراحةً إلى "إغلاق باب المندب إلى جانب استمرار إغلاق مضيق هرمز". حين تعجزُ شحناتُها عن الوصول إلى الحوثي، تبدأ إيرانُ تفكّرُ في أن تخنقَ الممرَّ بنفسها. وهذا اعترافٌ من داخل البيت الإيراني بأنّ الوكيلَ لم يعُد قادراً، وأنّ الأصلَ صار مضطراً لأن يظهرَ مكشوفاً.

وهذا هو جوهرُ المشهد. بنت إيرانُ أذرعَها لتكون وجهها في المعارك، تُقاتلُ بها بعيداً عن حدودها فلا تصلُ الضرباتُ إليها. اليومَ انقلبت المعادلة. تُضرَبُ إيرانُ في وجهها مباشرة بعد أن كان الوكلاءُ هم الوجه، فتهرعُ إلى إعادة تفعيلهم من جديد. تطلبُ من الحوثي أن يستعدّ، وتحاولُ إعادةَ تسليح حزب الله، وتلوّحُ بصواريخها حين يعجزُ الوكلاء. لكنّ الذراعَ حين تُقطَع لا تعودُ بأمرٍ عاجل، والوجهُ حين يُكشَفُ لا يجدُ ما يستترُ خلفه. كلُّ ذراعٍ تمدّها تُقطَع، وكلُّ بابٍ تحاولُ فتحَه يُغلَق، ولم يبقَ في يدها إلا هرمز. ولهذا بالذات صار القتالُ عليه قتالَ حياةٍ أو موت. حتى نوابُها اعترفوا بذلك، إذ وصف أحدُهم في التاسع من يوليو ما تخوضُه إيرانُ بأنه "حربٌ وجودية". ومن يصفُ معركتَه بالوجودية فقد أقرَّ أنه بلا خياراتٍ أخرى.

وهنا يخطئُ من يقرأُ المشهدَ على أنه انتصارٌ أمريكيٌّ خالص. أمريكا تضغطُ بقوة، لكنّ ما يُسقطُ إيرانَ في العمق هو طمعُها ذاته. مدّت أذرعَها إلى كلِّ اتجاه حتى استعدت جيرانَها جميعاً، فصارت صانعةَ أعدائها بيدها. أما الخليجُ فطرفٌ يقرأُ اللعبةَ بهدوءِ من يعرفُ ما يفعل. هو الذي بنى في صمتٍ منافذَ بديلةً لنفطه بعيداً عن هرمز، وراكمَ من التحالفات ما لا يقفُ فيه وحيداً. عدوانُ إيران المتكرّرُ على مصالحه دفعه إلى مزيدٍ من التنويع والاصطفاف. إيرانُ بعدوانها تصنعُ التكتّلَ الذي طالما خشيت قيامَه.

الورقةُ الأخيرة ليست قوة. من يتعلّقُ بحبلٍ واحد يعرفُ أنه إن انقطع سقطَ كلُّ شيء. وإيرانُ اليوم معلّقةٌ بحبل هرمز بعد أن قُطِعت حبالُها الأخرى. على الخليج أن يقرأ اللحظةَ كما هي، إيرانٌ يائسةٌ تُقاتلُ على آخر ورقة، واليائسُ أخطرُ ما يكون في ساعته الأخيرة. والحكمةُ أن يُكملَ الخليجُ ما بدأه، تنويعَ المنافذ، وترصينَ التحالفات، وإغلاقَ كلِّ بابٍ قد تمدُّ منه إيرانُ ذراعاً جديدة.

تابع تدري على إنستاجرام
القصص والمقاطع والتحليل قبل نشره
@tadry.gcc
تطبيق تدري قريباً
نبّهني حين يُطلَق على iOS و Android