اقرأِ العنوانَ مرةً أخرى. اثنان، اثنان، واحدٌ، واحد. تَحسَبُها تشكيلةَ كرةِ قدمٍ؟ هي أخطرُ من ذلك بكثير. هذه صورةُ الخليجِ وهو يُواجهُ إيرانَ اليوم. ستُّ دولٍ في ملعبٍ واحد، كلٌّ تركُضُ في اتجاهٍ، وكلٌّ تَحرُسُ مرماها وحدها. والخصمُ يقِفُ في المنتصفِ يتفرّجُ على الفوضى، ويسدّدُ متى شاء.
خطُّ الاثنينِ الأولِ هو خطُّ من يُريدُ إطفاءَ الملعب، السعوديةُ وقطر، ولكلٍّ سببُهُ في جيبه. رؤيةُ السعوديةِ 2030 كلُّها تُختصَرُ في كلمةٍ واحدة، الاستقرار، والحربُ عدوُّها الأول. وصاروخٌ حوثيٌّ واحدٌ يكفي ليختبرَ الرؤيةَ من أساسها، فالحوثيُّ يصلُ أرامكو ويُغلقُ الأجواء. لذلك تُريدُ السعوديةُ التهدئة. لكنها بدأت تتعلّمُ الدرسَ متأخرةً، أنّ الأنيابَ التي كشفها الحوثيُّ لا تُطبَقُ بالكلامِ الليّن.
وقطرُ تنزفُ زبائنها واحداً واحداً. وارداتُ الصينِ من غازها هوَت إلى نحوِ مئةِ ألفِ طنٍّ في الربعِ الثاني من 2026، بعد أن كانت أربعةَ ملايينَ وسبعمئةِ ألفِ طنٍّ في الربعِ نفسه قبل عام. رقمٌ يكفي وحده ليُطيرَ النومَ من عيونِ قطر. وأعلنت قطرُ للطاقةِ القوةَ القاهرةَ على بعضِ عقودها، والمشترونَ يبحثونَ عن بائعٍ لا تمرُّ بضاعتُهُ فوقَ البارود. لذلك تُريدُ قطرُ إطفاءَ النار، فالغازُ والحربُ لا يجتمعانِ في أنبوبٍ واحد.
خطُّ الاثنينِ الثاني هو خطُّ من يأكلُ الضرباتِ في الجبهة، الكويتُ والبحرين. وإيرانُ لا تقصفُهما مصادفةً. منذ أن أعلن ترامبُ في الثامنِ من يوليو انتهاءَ الهدنة، تحوّلت الكويتُ إلى هدفٍ شبهِ يومي. بياناتُ وزارةِ الدفاعِ الكويتيةِ التي جمّعها معهدُ دراسةِ الحرب تقولُها بالأرقام، تسعةٌ وثلاثونَ مقذوفاً في الثالثَ عشرَ من يوليو وحده، بين مسيّرةٍ وصاروخِ كروزٍ وباليستي، ثم اثنانِ وثلاثونَ في الخامسَ عشر. وفي السابعَ عشرَ ضربت إيرانُ محطةَ كهرباءٍ وتحليةِ مياهٍ كويتية، رداً على ضربِ أمريكا لجسورِ إيرانَ ومنشآتها. تضربُ الكويتَ لتُعاقبَ أمريكا. أما البحرينُ فأصابت الضرباتُ مبنىً قربَ مطارها، فوصفت خارجيتُها ذلك بأنه تصعيدٌ خطيرٌ ونهجٌ ممنهجٌ من العدوانِ المتكرر. ولماذا هاتانِ الصغيرتانِ بالذات؟ لأنهما الأقربُ إلى إيران، والأنظفُ سجلاً، فحين تنزفانِ يقِفُ العالمُ في صفّهما. إيرانُ تبحثُ عن زرٍّ تضغطُهُ فيركُضُ الصغارُ إلى أمريكا يستجدونَ وقفَ الحرب. لكنّ الكويتَ والبحرينَ لم تركعا، ولم تطلبا من أحدٍ أن يوقفَ شيئاً. فماذا فعلت إيران؟ زاد غيظُها فضاعفت ضرباتها. الصمودُ يُجنّنُ من راهنَ على الانهيار.
خطُّ الواحدِ الأولِ هو الوسيط، عُمان. لا تُريدُ أن تُهدّئَ ولا أن تُشعل، تُريدُ أن تخرجَ من الوحلِ بثيابٍ نظيفة. زار السلطانُ هيثم باريس، في أولِ زيارةٍ لعاهلٍ عُمانيٍّ لفرنسا منذ 1989، ثم عرّج على لندن، واتفق مع فرنسا وبريطانيا على تأمينِ ممرٍّ آمنٍ ونزعِ الألغامِ في هرمز عبر مياهِ عُمانَ الإقليمية. ممرٌّ خارجَ قبضةِ إيران. فثارت إيرانُ، وردّت على لسانِ نائبِ وزيرِ خارجيتها بأنّ نزعَ الألغامِ تقومُ به إيرانُ لا سواها، وطلبت من باريس ألا تزيدَ الوضعَ تعقيداً. الوسيطُ يفتحُ باباً، والجارُ يزمجرُ في وجهه.
خطُّ الواحدِ الأخيرِ هو المُراوِح، الإمارات. تلعبُ بيدينِ في وقتٍ واحد. هي ثاني أكبرِ شريكٍ تجاريٍّ لإيرانَ بتبادلٍ تجاوزَ سبعةً وعشرينَ مليارَ دولار، ومع ذلك شاركت في عشراتِ الضرباتِ على إيرانَ بالتنسيقِ مع أمريكا وإسرائيل، على بندرِ عباسَ وقشمَ وأبو موسى. وفي الوقتِ نفسه أفرجت عن نحوِ عشرةِ مليارات دولارٍ من أموالِ إيرانَ المجمّدة، وأغلقت مدارسَ ومراكزَ إيرانيةً في دبي. يدٌ تضربُ في الشمال، ويدٌ تُصافحُ في الجنوب، لاعبٌ يُريدُ المباراةَ ونتيجتَها في آنٍ واحد.
وهذا اللاعبُ نفسُهُ هو الأبعدُ عن فريقه. ففي التاسعِ والعشرينَ من ديسمبر 2025 ضربت السعوديةُ شحنةَ سلاحٍ إماراتيةً في ميناءِ المكلا، ثم طلبت من الإماراتِ علناً أن تسحبَ قواتها من جنوبِ اليمن. وفي الثامنِ والعشرينَ من أبريل 2026 خرجت الإماراتُ من أوبك وأوبك+، فتركت السعوديةَ وحيدةً في بيتٍ بنته بيدها. خلافاتٌ موثّقةٌ في اليمنِ والسودانِ والنفط، دولتانِ كبيرتانِ في اتجاهين. هذه حساباتٌ تباعدت حتى صار كلٌّ يلعبُ لنفسه، لا خيانةٌ ولا حرب، لكنها قطعاً ليست صفاً واحداً.
هذه هي التشكيلةُ إذاً. اثنانِ يُريدانِ الهدوء، واثنانِ يأكلانِ النار، وواحدٌ يتوسّط، وواحدٌ يُراوغ. ستُّ دولٍ، ستُّ حسابات، ستُّ مبارياتٍ في ملعبٍ واحد. وإيرانُ ليست غبية، تقرأُ هذا التشتّتَ حرفاً حرفاً، فتقصفُ الجبهةَ الصغيرة، وتُبقي خيطَها مع المُراوِح، وتزمجرُ في وجهِ الوسيط، وتنتظرُ أن يملَّ من يُريدُ التهدئة. تشتّتُ الخليجِ هو أمضى سلاحٍ في يدِ إيران.
والسؤالُ هنا ليس عن القوة، فكلُّ لاعبٍ في هذا الخليجِ قوي. السؤالُ من يجمعُ اللاعبين. لو وقفَ الخليجُ صفاً واحداً، لما احتاجَ أن يُطلقَ رصاصةً واحدةً على إيرانَ في أرضها. كان يكفي أن يقولَها في وجهها، لا حربَ لنا معك، ثم يُجفّفُ أذرعَها واحدةً واحدة. يُنهي الحوثيَّ في اليمنِ معاً، ويسندُ الزيديَّ في العراقِ ضد الميليشيات معاً، ثم يخنقُ حزبَ الله، فتبقى إيرانُ عاريةً بلا أذرع، وتأتي أمريكا لتُنهيَ ما بقي. ذراعٌ تُقطَعُ بقرارٍ خليجيٍّ واحدٍ خيرٌ من ستِّ أيدٍ تتخبّطُ في الهواء.
مشكلةُ الخليجِ في الترتيب، لا في الرجال. ستةُ أقوياءَ في تشكيلةٍ خاطئةٍ يخسرونَ أمام خصمٍ أضعفَ يملكُ خطةً واحدة. الصافرةُ أُطلقت منذ الثامنِ والعشرينَ من فبراير، والفريقُ ما زال مبعثراً في الملعب. يبقى سؤالٌ واحدٌ معلّق، من يجمعُ الصفَّ قبل أن ينتهيَ الشوط؟