حِبرٌ من الجيلِ الثالث · منذ ١٩٦١
مقال · ٠١٤ · ٤ يوليو ٢٠٢٦كل المقالات ←
تحليل

دمعةُ اللصوص

الناسُ تسأل السؤال الخطأ. مَن ذهب من الخليج؟ وكيف؟ ولماذا؟ دَعْك من هذا كلِّه. ارفع بصرك إلى القاعة كلِّها، وانظر مَن بكى، وعلى مَن بكى.

تباهت إيرانُ بأن أكثر من مئة دولةٍ حضرت الجنازة. رقمٌ يُقال ليُوهمك أن العالم يقف معها. لكن اقترب، وتأمّل الوجوه الباكية، مَن هم؟ حزبُ الله، وحماس، والجهاد الإسلامي، والحوثيون، وكتائبُ حزب الله، وحركةُ أمل. ومن ورائهم رفاقُ الطريق، كوريا الشمالية وبيلاروسيا وفنزويلا وطالبان. هذه ليست جنازةَ قوة. هذه تعدادٌ للأشرار. العالمُ المحترمُ بقي في بيته، وحضر مَن لا يملك عنواناً غيرها.

الأشرارُ يبكون الأشرارَ، والشعوبُ تُدفن في صمت

فمن دُفن في ذلك القبر؟ لم يُدفن رجلٌ فحسب. دُفن مشروع. عقيدةٌ رسمت خريطةً لأربع عواصم، بغداد وبيروت ودمشق وصنعاء، وحمل قاسم سليماني تلك الخريطة في جيبه من عاصمةٍ إلى عاصمة. وحيثما وصلت الخريطة، سقطت دولة، ونُهب شعب، وامتلأت المقابر.

وهنا بيتُ القصيد. بكوا عليه. فهل بكوا يوماً على شعوبهم؟

حزبُ الله وقف يذرف الدمع في القاعة. وهل ذرف دمعةً واحدةً حين خسرت الليرةُ اللبنانية ثمانيةً وتسعين بالمئة من قيمتها؟ حين غرق ثمانون بالمئة من اللبنانيين تحت خط الفقر، وانهارت المصارف، وتبخّرت ودائعُ الناس، وهو يمسك بالبلد كعصابة؟ لم يبكِ لبنان. بكى وليَّه.

وفودُ العراق نحبت على القبر. وهل نحبت على الطفل العراقي الذي يذاكر على ضوء شمعةٍ فوق بحرٍ من النفط؟ منذ ٢٠٠٣، تبخّر ما بين مئتين وثلاثمئة مليار دولار في مستنقع الفساد، وأُنفق أكثرُ من مئتي مليارٍ على الكهرباء وحدها، والعراقيُّ ما زال في العتمة. لم يبكوا العراق. بكوا مَن علّمهم كيف يسرقونه.

والحوثيُّ جاء يشيّع. فهل سُمعت له دمعةٌ على خمسةٍ وثمانين ألف طفلٍ يمنيٍّ ماتوا جوعاً تحت حكمه؟ على ثلاثمئةٍ وسبعةٍ وسبعين ألف يمنيٍّ ابتلعتهم حربٌ ومجاعة، وهو يسرق المعوناتِ من أفواه الجياع؟ لم يبكِ اليمن. بكى مَن موّل بندقيته.

وحتى حماس أرسلت وفدها ليبكي. لم نرَ منها دمعةً واحدةً أمام الكاميرا على أشلاء غزة. لكنّ الطائرة أقلعت لتبكي على وليِّها في إيران. شتّان بين مَن يموت تحت الركام، ومَن يطير ليقبّل قبراً في بلدٍ آخر.

ولا تقف عند المسلّحين، انظر إلى "الأصدقاء" في البدلات. جاءت أذربيجان تقدّم العزاء، وهي التي تضخّ نحو أربعين بالمئة من نفط إسرائيل عبر الأنابيب، الوقودُ نفسُه الذي حرّك الطائرات التي قصفت إيران. وحضرت روسيا تنعى، وهي التي تُطيّر مسيّرات شاهد الإيرانية في حروبها. وأرسلت الصينُ وفدها، وهي التي تبتلع نفط إيران المخصوم بأسطولها الخفيّ، وتبيعها قطعَ سلاحها. هؤلاء لم يأتوا ليبكوا. جاؤوا ليطمئنّوا على حصّتهم من الجثّة. فالميتُ الذي يُدرّ مالاً، يستحقّ وفداً.

الآن فهمت. لم يبكوا الرجل. بكوا الخزنة. تلك لم تكن دموعَ حزن. كانت دموعَ رعب. الحسابُ الذي كان يُطعمهم نزل إلى الأرض معه، والصندوقُ الذي عاشوا على فُتاته أُقفل. يبكون معاشهم، لا وليَّهم.

وهذه، يا صديقي، هي صورةُ العالم كما هو، لا كما تُقال لك في نشرات الأخبار. الأشرارُ يبكون الأشرارَ في قاعةٍ مكيّفة، والشعوبُ تدفن أطفالها في صمت. مئةُ وفدٍ من الدمع، ولا دمعةٌ صادقة. مأتمٌ كامل، والميتُ الحقيقيُّ ليس في التابوت. الميتُ هو الضمير.

فإذا رأيتَ العالمَ يبكي طاغية، فاعلم أنّ الباكين شركاؤه. أمّا الدمعةُ الصادقةُ الوحيدةُ يومَها، فكانت في بيوتِ ضحاياه، حيث لا كاميرا، ولا وفد، ولا خزنة.

تابع تدري على إنستاجرام
القصص والمقاطع والتحليل قبل نشره
@tadry.gcc
تطبيق تدري قريباً
نبّهني حين يُطلَق على iOS و Android