حِبرٌ من الجيلِ الثالث · منذ ١٩٦١
مقال · ٠١٣ · ٣ يوليو ٢٠٢٦كل المقالات ←
تحليل

ما قالته الجنازة

دُفن الرجل، فوقفت الرسالة على قبره.

لم يذهب الخليج إلى تشييع خامنئي حزناً عليه، ولا حبّاً فيه. ذهب ليقرأ ما بعده. السياسةُ لا تُدفن مع الموتى، والدولةُ باقيةٌ بعد الرجل، جارةٌ لا تُنقَل، ما زالت تقبض على هرمز. مصافحةُ جارٍ جريح أرخصُ من استفزازه، والوفدُ رسالةٌ للوريث، لا للجثمان. هذه سياسةٌ باردة، لا دمعة.

الوفدُ رسالةٌ للوريث، لا للجثمان

ومن حضر؟ السعوديةُ أرسلت نائب وزير خارجيتها وليد الخريجي ووفده، وحضرت قطر وعُمان والبحرين. حتى الحضورُ كان امتحاناً، إيرانُ لم تدعُ الجميع، أقصت من سمّتهم أصحاب "الموقف غير اللائق" من الحرب. فمن ذهب، ذهب باختياره، لا بأمرٍ من أحد.

والأغربُ من هذا كلِّه، إيرانُ قصفت القواعد الأمريكية على أرض السعودية أثناء الحرب، وقال وزيرها فيصل بن فرحان إن صبر بلاده "له حدود"، وأمر إيران أن "تعيد حساباتها". ثم أرسلت السعوديةُ وفدها إلى قبر من قصفها. فعلتها بدمٍ بارد، دولةٌ تعرف أن التهدئة أثمنُ من العتب.

لكنّ الرسالةَ الكبرى لم تُكتب لإيران. كُتبت لأمريكا وإسرائيل، بحبرٍ سميك.

لن نكون بيدقَكم الدائم في حربٍ ليست حربنا! أنتم تقصفون ثم تطيرون إلى دياركم، ونحن نبقى جيراناً لإيران إلى الأبد. ومن يدفع الثمن، هو من يملك القرار.

ونحن لم نعد ننتظر إذنكم. أقصيتمونا عن طاولة الدوحة وأنتم تتقاسمون مصير مياهنا، فطار وزيرُ السعودية إلى الصين، وحضرت وفودُنا الجنازة التي لا تريدونها. كلُّ خطوةٍ صفعةٌ على الطاولة، نحن نقرّر لأنفسنا.

وانظر الخريطة يوم الجنازة، الغربُ غائب، والمنطقةُ حاضرة. من أشعل الحرب لم يُدعَ، ومن يعيش هنا جاء. الشرقُ الأوسط بدأ يدور حول نفسه، لا حول أمريكا. وحتى حين هدّدت إسرائيلُ المشيّعين بالموت، دخل مبعوثو الخليج. من يخافُ لا يقف حيث يُهدَّد.

ولا تنخدع بمشهد "الوحدة" الذي أخرجته إيران. لا إيرانَ قويةً تستدعي الخليج، ولا خليجَ يركع. نظامٌ خرج من الحرب مهزوماً، يدفن زعيمه القتيل، ووريثُه أعجزُ من أن يظهر، فيستعرض جنازةً ليُقنع العالم أنه ما زال حيّاً. الخليجُ حضر لحسابه هو. إيرانُ تقاتل لتبقى في الصورة، لا لتُملي على أحد.

الخبرُ لم يكن مَن مات. الخبرُ أنّ الخليج، واقفاً على حافة قبر، قال لعاصمتين بصوتٍ لا يرتجف، لسنا جنودكم، ولسنا خائفين، ولسنا في انتظار إذنٍ من أحد. فهل سمعوا؟

تابع تدري على إنستاجرام
القصص والمقاطع والتحليل قبل نشره
@tadry.gcc
تطبيق تدري قريباً
نبّهني حين يُطلَق على iOS و Android