حين يسقط صاروخٌ على عاصمةٍ خليجية، من يراه أولًا؟
ليست بلاغةً، بل سؤالٌ عن شبكةٍ لا تراها. فوق رؤوسنا شبكةُ رادارات، ترصد كلَّ إطلاق: نوعَه، ومساره، ووجهته، وتتقاسم الصورةَ بين شركاء. هذه الشبكةُ اسمها الصورةُ الجوية المشتركة، وقلبُها في قاعدة العديد في قطر، حيث يفضّل الأمريكيون دمجَ رادارات ١٧ شريكًا إقليميًا في صورةٍ واحدة، لتُرصدَ الإطلاقاتُ الإيرانيةُ أسرع. السعوديةُ والإماراتُ والبحرينُ يتقاسمون بيانات الرادار والإنذار المبكر مع القيادة المركزية. هذا هو الجهازُ العصبيُّ لدفاع المنطقة. وفي داخله اليوم، إسرائيل.
لنفهم كيف وصلنا إلى هنا، لا بدّ أن نفهم ما هي القيادةُ المركزية (سنتكوم). ليست جنودًا وقواعدَ فحسب، إنها المظلّةُ التي تربط الرادارات والدفاعات الجوية في نظامٍ واحد: من يرى الصاروخ، ومن يعترضه، ومن يملك الصورة. لعقود، كانت إسرائيلُ خارجَ هذه المظلّة، في القيادة الأوروبية، وهو وضعٌ شاذٌّ جغرافيًا. حاول رؤساءُ أمريكا نقلَها إلى القيادة المركزية مرارًا، فاصطدموا برفضٍ عربيّ. حتى جاءت اتفاقاتُ أبراهام سنة ٢٠٢٠، وطبّعت الإماراتُ والبحرين، فمُهّد الطريق. وفي مطلع ٢٠٢١، قرّر ترامب النقل، فغادرت إسرائيلُ القيادة الأوروبية ودخلت مظلّتنا نحن. صارت ترى ما نرى.
ولم يتوقف الدمج، بل تسارع. في الكونغرس بندٌ اسمه ٢١٩، يُدمج التقنيةَ العسكريةَ الإسرائيليةَ في صميم المنظومة الأمريكية: الدفاع الجوي، والمضاد للمسيّرات، والذكاء الاصطناعي، والحرب السيبرانية. ومعه قانونٌ آخر يبني معماريةَ دفاعٍ جويٍّ موحّدةً بين أمريكا وإسرائيل ودول الخليج. رُفض البندُ مرةً وأُعيد أخرى، لأن إسرائيلَ لا تتخلّى عنه. وعلى الأرض، نُشرت القبةُ الحديديةُ الإسرائيليةُ في الإمارات سنة ٢٠٢٦، بجنودٍ إسرائيليين وقيادةٍ مشتركةٍ داخل دولةٍ خليجية، سابقةٌ لم تحدث من قبل. والمساعداتُ العسكريةُ الأمريكيةُ لإسرائيل مضمونةٌ إلى سنة ٢٠٢٨، ٣٨ مليار دولار. تلك هي النافذةُ الزمنية: وقتٌ كافٍ لترسيخ الاندماج قبل أن يتغيّر أيُّ شيء.
هنا تكتمل الصورة، وهنا الوريث. أمريكا تُنهك إيرانَ وتنزع أنيابها، ثم تستديرُ إلى أولوياتها الجديدة: الصين، ونصفُ الكرة الغربي، وحدائقُها الخلفية. فإذا انسحبت من المنطقة، وقد زال التهديدُ الإيراني، من يبقى مالكًا للدرع؟ إسرائيلُ لا تقودُ القيادة المركزية رسميًا، فتلك قيادةٌ أمريكية. لكنها تصيرُ عقدتها التي لا يُستغنى عنها: مزوّدةُ التقنية، ومحورُ الرادار، وصاحبةُ القبة الحديدية فوق أرضٍ خليجية. حين ترفع أمريكا يدها، تبقى المعماريةُ تعمل على تقنيةٍ إسرائيلية وارتباطاتٍ إسرائيلية. الحربُ تُخلي الطاولة، وإسرائيلُ ترثُ الدرع. هكذا يكتملُ حلمُها أن تكون القوةَ التي لا غنى عنها في إقليمها.
لكنّ الخليجَ لم ينخدع، وقرأ التهديدَ مبكرًا. السعوديةُ لم تنتظر: في ٢٢ يوليو ٢٠٢٦ وقّعت مع أمريكا اتفاقًا نوويًا يفتحُ لها بابَ تخصيب اليورانيوم على أرضها، ورقةٌ استراتيجيةٌ هائلة لا يستطيع الكونغرسُ تعطيلَها بسهولة. وقبلها، عقدت مع باكستانَ النوويةِ اتفاقَ دفاعٍ مشترك، مظلّةٌ نوويةٌ توقيتُها رسالةٌ إلى إسرائيل. ثم جمعت السعوديةُ وباكستانُ ومصرُ وتركيا وزراءَ خارجيتهم في ثلاثِ جولاتٍ متتالية، إطارُ أمنٍ إقليميٍّ جديدٍ يُبنى بعيدًا عن أمريكا. السعوديةُ قرأت الخطرَ وبنت لنفسها بدائل.
والكويتُ تسير على الأثر. طلبت من باكستانَ جنودًا وطائراتٍ وأنظمةَ دفاع، ووقّعت مع تركيا مذكرةَ تعاونٍ في الصناعات الدفاعية، وبحثت مع الصينِ توسيعَ التعاون العسكري حتى صار إنتاجُ الذخائر داخلَ الكويت. الخليجُ، أو أغلبُه، يستعدُّ لما بعد القيادة المركزية، لأنه رأى إلى أين تتجه الأمور.
وبقيةُ الخليج على درجات. قطرُ تلعبُ على الحبلين: تحتضنُ قاعدةَ العديد ومركزَ الدفاع الجوي الجديد، وفي الوقت نفسه تعمّقُ اقتصادَها مع الصين وحمايتَها مع تركيا، فتكسبُ استقلالًا دون أن تقطعَ مع أمريكا. وعُمانُ تتمسّكُ بحيادها الإيجابيِّ ووساطتها، تُبقي قناتَها مع إيرانَ مفتوحة وتنضمُّ إلى مبادرةٍ إقليميةٍ لأمن الملاحة مع باكستانَ والسعوديةِ وقطرَ ومصرَ وتركيا، رغم ضغطٍ أمريكيٍّ صريحٍ لتتخلّى عن الحياد. أما البحرينُ فمضت في الاتجاه المعاكس: رسّخت اندماجَها مع أمريكا باتفاقية التكامل الأمني (سايبا) سنة ٢٠٢٣، وواصلت التطبيعَ الأمنيَّ مع إسرائيل، وتحتضنُ الأسطولَ الخامس. فالخليجُ ليس صفًّا واحدًا: بين من يبني بديلَه، ومن يوازن، ومن يزدادُ التصاقًا بالدرع نفسِه.
يبقى الاستثناءُ المؤلم: الإمارات. تشابكت مع إسرائيلَ إلى حدٍّ يصعبُ فكُّه: قبةٌ حديديةٌ على أرضها بأيدٍ إسرائيلية، وصفقاتُ تقنيةٍ مع شركاتها، واجتماعاتُ تخطيطٍ مع قائد القيادة المركزية داخلَ إسرائيل. هي الأعمقُ اندماجًا في درع إسرائيل، وفي الوقت نفسه بينها وبين السعودية خلافٌ حقيقيٌّ طفا سنة ٢٠٢٥، امتدَّ إلى الصومال وأرض الصومال. فالإماراتُ في مأزق: تبقى في معمارية إسرائيل، أم تعود إلى صفِّ الخليج الذي يبني استقلالَه؟ وإن كانت بوادرُ مصالحةٍ خليجيةٍ تلوح، فالسؤالُ الأهمُّ يبقى: إلى أيِّ درعٍ ستنتمي؟
وهنا إشارةٌ لافتة. في ٢٢ يوليو ٢٠٢٦، نشرَ وزيرُ الإعلام السعوديِّ سلمان الدوسري ورئيسُ هيئة الإعلام الإماراتيِّ عبدُالله الحامد منشورين متطابقين في توقيتٍ متزامن، يؤكدان عمقَ الروابط التاريخية والقيادةَ الحكيمة. لم يكن التزامنُ صدفة، فهو يأتي بعد شهورٍ من توترٍ علنيٍّ بلغَ ذروتَه أواخر ٢٠٢٥ حين أمهلت السعوديةُ الإماراتِ ٢٤ ساعةً لسحب قواتها من اليمن. رسالةٌ مقصودة، يقرؤها بعضُهم إشارةً إماراتيةً إلى رغبةٍ في العودة إلى الصفِّ الخليجي، ويقرؤها آخرون ترتيبًا للبيت قبل عاصفةٍ قادمة. لكنّ العارفين يحذّرون أن المصالحةَ الرمزيةَ لا تُذيبُ تنافسًا بنيويًا سيظلُّ يعملُ تحت السطح.
هذي هي المعادلةُ بلا زخرف: الدرعُ الذي يحميك اليوم، قد يصيرُ اليدَ التي تمسكُ بك غدًا. من يرى الصاروخَ أولًا، يملكُ قرارَك. والخليجُ الذي يبني عيونَه، ومظلّتَه، ورادعَه بنفسه، هو وحده من يبقى سيّدَ قراره. أما من يتّكل على درعٍ يملكُ غيرُه مفتاحَه، فسيكتشفُ يومًا أنه لا يحمي نفسَه، بل يُحرَس. والفرقُ بينهما، هو الفرقُ بين دولةٍ وتابع.