التقدير (خلاصة تنفيذية)
في ذروته بين ٢٠١٦ و٢٠١٨، لم يكن نفوذ ايران الاقليمي دولة تحالفات، بل مشروع تمدد: شبكة ميليشيات عابرة للحدود يقودها فيلق القدس تحت قاسم سليماني، تفاخر جنرال في الحرس الثوري نفسه بانها "جيش تحرري شيعي" قوامه نحو ٢٠٠ الف مقاتل من ست دول . كان هذا هو الحلم: عمق استراتيجي يبقي الحرب بعيدة عن ايران، ويجعل طهران لاعبا يمتد من بيروت الى صنعاء.
الحكم المركزي لهذا التقدير: المشروع الذي بني ليكون عمق ايران الاستراتيجي، صار الإفراط الذي انهكها. فقد حذر مستشار سابق في القيادة المركزية الاميركية (نادر اوسكوي) عام ٢٠١٨ من ان هذا التمدد يخالف عقيدة الحرس الثوري نفسها في حرب "المنطقة الرمادية"، وانه افراط يستدعي حروبا لا تربح . وبين ٢٠٢٠ و٢٠٢٦ انحسر الحلم من حوافه الى مركزه بالترتيب نفسه الذي حذر منه: قتل المهندس (٢٠٢٠)، ثم ضرب حزب الله وقطع رأسه (٢٠٢٤)، ثم سقط جسر سوريا البري (٢٠٢٤)، وتبخرت الميليشيات الاجنبية، حتى وصلت الحرب الى ارض ايران وبرنامجها النووي (٢٠٢٦). المشروع الذي وضع ليبعد الحرب، انتهى بها عند العتبة. هذا ليس فناء , الشبكة متهالكة لا ممحوة، وايران خطيرة حتى منكشفة , لكن حلم الهلال، بصيغته تلك، انتهى.
اولا , الحلم: ما هو "الجيش الشيعي التحرري"
في اغسطس ٢٠١٦ قال جنرال الحرس الثوري محمد علي فلكي في تصريح نقل عنه، ان ما يبنى في المنطقة هو "جيش تحرري شيعي قائده الحاج قاسم سليماني"، يعمل على ثلاث جبهات: سوريا والعراق واليمن . لم يكن هذا اختراع محلل غربي، بل تفاخر صادر من داخل الحرس. وحين كتب المحلل نادر اوسكوي كتابه «الحرس الثوري: قتال على حواف الحلم التوسعي» (بالانجليزية Temperature Rising، ٢٠١٨)، وهو مستشار سياسات سابق في القيادة المركزية الاميركية، قدر هذا "الجيش" بنحو ٢٠٠ الف مقاتل، ونقل عن الحرس قوله ان "نحو ٢٠٠ الف شاب شيعي من انحاء الشرق الاوسط نظموا وسلحوا تحت قيادة فيلق القدس" .
هنا تلزم الدقة: "الجيش الشيعي التحرري" مفهوم لوصف شبكة فيلق القدس، لا تنظيم رسمي موحد بقيادة واحدة وسجل واحد؛ ورقم الـ٢٠٠ الف مزحوم صادر عن الحرس نفسه، وهو سقف تعبوي طموح لا خارطة قتال فعلية. لكن حتى بالارقام المتحفظة، كان المشروع ضخما، ومكوناته الحقيقية هي:
حزب الله (لبنان): الذراع الادر والاقوى، ومدرب البقية. ترسانته قدرت بنحو ١٣٠ الف صاروخ في ٢٠٢١ ، صعودا من نحو ١٥ الفا عشية حرب ٢٠٠٦. الحشد الشعبي (العراق): مظلة قوامها نحو ١٠٠ الى ١٥٠ الفا؛ منها الفصائل الموالية لايران بنحو ٦٣ الفا اضافة الى منظمة بدر (١٨ الى ٢٢ الفا)، وابرزها كتائب حزب الله وعصائب اهل الحق . الفاطميون (افغان شيعة في سوريا): مشاة صدمة في اخطر الجبهات، قدرهم اوسكوي بنحو ١٠ الاف في ذروة حلب؛ الارقام الاعلى (١٥ الى ٢٠ الفا) تراكمية ومزحومة، والمنتشر فعليا كان اقل . الزينبيون (باكستان شيعة في سوريا): الوحدة الاصغر، نحو الف مقاتل عام ٢٠١٥، جندوا من باراتشنار لحماية المقامات . الحوثيون (اليمن): دربوا وسلحوا عبر الحرس وبمساعدة حزب الله؛ نواتهم القتالية نحو ٢٠ الفا. ويوصفون بانهم "شريك غير رسمي" لا اداة كاملة السيطرة , وهذا تحفظ مهم في تاطير الشبكة .
المهندس المعماري كان واحدا: اللواء قاسم سليماني، قائد فيلق القدس منذ ١٩٩٨، هو من نسج هذه الخيوط في شبكة واحدة تمتد عبر خمس دول. الحلم كان صورته: هلال متصل من طهران الى المتوسط.
ثانيا , التحذير: ماذا قال اوسكوي في ٢٠١٨
لم يكتب اوسكوي كتاب انتصار لايران، بل كتاب تحذير من افراطها. حجته المركزية ان الحرس، بعد ان انقذ نظام الاسد، لم يكتف بالنصر وينسحب، بل غير استراتيجيته الى بناء قواعد دائمة ومواجهة اسرائيل على الارض السورية. وهذا، بعبارته الحرفية، "يخالف تماما العقيدة العسكرية لفيلق القدس وطريقته في الحرب" . وحذر: "الايديولوجيا تعين فيلق القدس الى حد؛ اما الذهاب الى التطرف فقد يسبب دماره هو" .
في نص الكتاب نفسه يصف هذا بـ"الافراط" (overreach): في سوريا "ذهب ابعد من مهمته الاصلية في انقاذ نظام الاسد، وبدا يتحدى اسرائيل على ارض سورية. وهذا الافراط خلق فرصا لامريكا لتقييد حرية حركة المنظمة في المنطقة" . والجوهر الذي يلتقطه مراجعو الكتاب: نشاط هذا "الجيش" يخرق عقيدة الحرس نفسها في القتال ضمن "المنطقة الرمادية" , حالة بين الحرب والسلم، وفعل عسكري محدود لا يستدعي مواجهة مع قوى اكبر منه . حين تجاوز الحرس تلك الرمادية الى تحد مكشوف، استدعى خصوما يفوقونه.
قيمة هذا التحذير انه لم يصدر عن خصم دعائي، بل عن مستشار في القيادة المركزية الاميركية، مبني على قراءة تفصيلية للحرس. وفي شهادته امام الكونغرس في ابريل ٢٠١٨ قال ان هذه القوة "ليست ميليشيا رثة"، بل مجندة بمعايير عسكرية وعقائدية صارمة، وان عامي ٢٠١٧ و٢٠١٨ كانا "اعظم اعوام الهلال الشيعي" . اي ان الذروة نفسها التي بدت اوج القوة، كانت في قراءة اوسكوي بداية الحافة.
ثالثا , الانحسار من الحواف: ٢٠٢٠ الى ٢٠٢٦
ما حذر منه اوسكوي تحقق، وبالترتيب من الحافة الى المركز:
١) المهندس (٢٠٢٠). في ٣ يناير ٢٠٢٠ قتلت ضربة مسيرة اميركية قاسم سليماني قرب مطار بغداد، ومعه ابو مهدي المهندس نائب رئيس الحشد . فقدت الشبكة مهندسها ومدير علاقاتها المركزي دفعة واحدة. الشبكة التي بنيت حول رجل، اهتزت بغيابه.
٢) حزب الله (٢٠٢٤). في ١٧ و١٨ سبتمبر ٢٠٢٤ فجرت اسرائيل الاف اجهزة النداء واللاسلكي بيد عناصر حزب الله (نحو ٤٢ قتيلا والاف الجرحى) ، ثم في ٢٨ سبتمبر قتلت امينه العام حسن نصرالله في غارة على الضاحية . تلاه سقوط خليفته المفترض هاشم صفي الدين، وتعيين نعيم قاسم، ثم وقف اطلاق نار في نوفمبر ٢٠٢٤ فرض انسحاب الحزب شمال الليطاني . درة التاج، الذراع الاقوى، قطع رأسها ودمر جانب كبير من ترسانتها.
٣) جسر سوريا (٢٠٢٤). بين اواخر نوفمبر و٨ ديسمبر ٢٠٢٤، اطاحت هجمة بقيادة هيئة تحرير الشام بنظام الاسد، وفر الاسد الى روسيا بعد خمسة عقود من حكم عائلته . كان هذا اقسى ضربة: سوريا هي الجسر البري الذي يصل العراق بحزب الله، وحليف ايران العربي المركزي. بسقوطه انقطع خط اعادة تسليح الحزب، وانسحبت القوات الايرانية، وتبخرت الميليشيات الاجنبية , الفاطميون والزينبيون , من الارض السورية . الحواف التي بني عليها الحلم، انطوت.
٤) المركز (٢٠٢٦). ثم بلغ الانقلاب منتهاه: في ٢٨ فبراير ٢٠٢٦ بدات الحرب بضربات على ارض ايران وبرنامجها النووي . المشروع الذي وضع اصلا ليبعد الحرب عن ايران عبر الاذرع، انتهى بالحرب تدق بابها هي. الافراط لم يشتر عمقا، بل استجلب العمق معكوسا: الخصوم عند القلب لا عند الاطراف.
رابعا , التقدير والمؤشرات
التقدير المرجح (بثقة عالية): المشروع التوسعي الايراني افرط في المد فاستنزف نفسه، وانحسر من حوافه الى مركزه في سبع سنوات. لكن الدقة تقتضي التمييز: هذا انحسار وتآكل، لا فناء كامل. فحزب الله ما زال قائما وان مكبلا، والحشد ما زال قوة في العراق، والحوثيون ما زالوا يهددون الملاحة. اجماع التقديرات الرصينة اقرب الى "متهالك خطير" منه الى "منهار": فمركز صوفان يرى القيمة الاستراتيجية للمحور "تآكلت بشدة" ، بينما يحذر مركز ستيمسون من انه "اضعف لكنه ما زال خطيرا" ، ويذكر آخرون بانه "متعثر لا ساقط" . اي ان حلم الهلال المتصل انتهى بصيغته تلك، لكن الخطر الايراني , اذرعا متفرقة وقدرة على الايذاء , باق.
المؤشرات التي نراقبها:
هل يعيد الحرس بناء الجسر الى حزب الله بطريق بديل، ام يبقى الحزب معزولا بعد سوريا؟ هل يتحول نزع سلاح الاذرع (لبنان، العراق) من اعلان الى واقع، فيغلق فصل "الجيش التحرري"؟ هل تجد الميليشيات الاجنبية (الفاطميون، الزينبيون) جبهة جديدة، ام تتفكك بلا سوريا؟ هل تعود ايران الى عقيدة "المنطقة الرمادية" التي حذر اوسكوي من خرقها، ام تواصل الافراط المكشوف؟
الاطار الصادق: هذا تقدير لمشروع نظام ومناوراته، لا حكم على شعب ايراني او على المذهب. المكونون في هذه الشبكة بشر جند كثير منهم بالحاجة والاكراه , كالفاطميين اللاجئين , لا كتلة واحدة. وايران هنا خطيرة لا ضعيفة، لكنها تصرفت بافراط قصير النظر تحقق فيه تحذير كتب قبل ثماني سنوات. والقيمة الاكبر لهذه القراءة انها ليست شماتة، بل خريطة: من قرا الحلم مرسوما في ٢٠١٨، امكنه ان يرى حوافه تحترق واحدة اثر اخرى.