التقدير (خلاصة تنفيذية)
حين حاصرت الحرب ايران في ٢٠٢٦، لم تعد طهران بناء موقعها، بل قامرت به. فبعد ان ضرب برنامجها النووي وتجمدت الجبهات المباشرة مع امريكا واسرائيل، راهنت ايران على ورقة واحدة ظنتها اقوى من القنبلة: مضيق هرمز. لكنها بذلك افرطت في المد على كل جبهة في آن واحد , النووي، والمضيق، والاذرع، وحتى ضربات ابعد الى مصر , فحولت سلاح الردع الاعظم لديها الى عبء منفق، والفزع الى استراتيجية.
الحكم المركزي لهذا التقدير: الإفراط لم يرمم النفوذ الايراني، بل عجل بانحساره. فقوة المضيق في التهديد لا في الاستخدام؛ ومتى استخدم، احترق. وقوة الاذرع في تماسكها؛ ومتى انكشفت، صارت عبئا. راهنت ايران على ان تخنق العالم عبر هرمز، فوجدت الخناق على عنقها هي: تهدد شريانها الوحيد الى الصين، وتنفر من كان يتعاطف معها، وتدفع الخليج الى بناء مخارج دائمة حولها. المحصلة ان حرب ٢٠٢٦ لم تعد ايران لاعبا مهيمنا، بل كشفت حدودها وسرعت تراجعها.
اولا , كيف حاصرت الحرب ايران
بدأت الحرب في ٢٨ فبراير ٢٠٢٦ بضربات اميركية اسرائيلية استهدفت البرنامج النووي الايراني ومنشآته . وخلال اسابيع تبدلت معادلة الردع التي بنتها طهران على مدى عقود: النووي , ورقتها الاستراتيجية العليا , اصابه الضرر؛ والرد المباشر على امريكا او اسرائيل صار مكلفا او متعذرا بعد الهدنة الهشة. عمليا وجدت ايران نفسها في صندوق مغلق: لا تقدر ان تضرب مصدر الخطر مباشرة، ولا تحتمل ان تظهر عاجزة.
في هذا الفراغ الاستراتيجي صعد بديل واحد: السيطرة على مضيق هرمز. وقد تحول الخطاب الايراني , وخطاب محللين وحلفاء له , الى وصف المضيق بانه "الخيار النووي الحقيقي" لايران و"سلاحها الذهبي" الذي يتجاوز برنامجها النووي . هنا ولدت المقامرة: تعويض كل ما خسر بورقة واحدة.
ثانيا , الإفراط: كل الرهان على ورقة واحدة ١) النووي المستنزف
الورقة التي بني عليها الردع الايراني عقودا فقدت بريقها بعد الضربات. لم يختف البرنامج، لكنه لم يعد الرادع الموثوق. ومن هنا جاء التحول الى هرمز: اعتراف ضمني بان الورقة القديمة لم تعد كافية.
٢) هرمز: السلاح الذهبي الذي أحرق
عبر المضيق يمر نحو ٢٠ مليون برميل يوميا , قرابة خمس نفط العالم , واغلبه الى آسيا . وطوال عقود هددت ايران باغلاقه ولم تفعل، حتى في حرب الناقلات الثمانينية ؛ لان قوة التهديد في بقائه تهديدا. لكنها بعد الهدنة لعبت الورقة فعلا لاول مرة: الغام، واغلاق، وضرب سفن، وهجمات على خمس دول خليجية في يوم واحد .
هنا المفارقة القاتلة: ٨٠٪ من صادرات ايران النفطية تذهب الى الصين، وتعبر هرمز نفسه . فحين تهدد ايران الممر، تهدد طريقها الوحيد الى زبونها الاوحد. المضيق الذي ظنته سيفا على رقبة العالم، هو الحبل حول رقبتها هي. ومقتل قائد البحرية في الحرس الثوري (المسؤول المباشر عن تلغيم المضيق) في ضربة مطلع العام ، دليل اضافي على ان الورقة صارت هدفا لا حصانة.
٣) الاذرع المتآكلة
راهنت ايران ايضا على شبكة اذرعها، فاذا بها تتصدع في آن واحد:
حزب الله (لبنان): محاصر بعد سقوط النظام في سوريا وانقطاع الجسر البري، وبضغط اطار نزع السلاح والجيش اللبناني واسرائيل . الذراع التي كانت درة التاج، صارت مكبلة. الفصائل في العراق: انكشفت. في ٢٩ يوليو ضربت السعودية , مع امريكا , فصائل ايران في سبع محافظات عراقية (نحو ٢٠ قتيلا) ، وبغداد عاجزة عن ضبطها، حتى ان زيارة رئيس الوزراء العراقي للسعودية الغيت بطلب عراقي في يومين . الحوثيون (اليمن): ذراع متفلتة لكنها تدار: السعودية تعترض وترد، وتهديد باب المندب يمتص بلا حسم لصالح ايران. حماس (غزة): محاصرة باتفاق نزع سلاح، وقد انتخبت قائدا (خليل الحية) يشد روابطها بايران فيما جناحها المسلح يقاوم التسليم , قيادة اقرب لطهران لكنها اضعف قدرة على المناورة.
اربع جبهات تتآكل معا. الشبكة التي بنتها ايران في اربعين عاما تختبر في آن واحد، وتنكشف حدودها .
٤) المد الابعد , الفزع في هيئة قوة
بلغ الإفراط ذروته حين مدت ايران يدها ابعد من محيطها: في ٣٠ يوليو ٢٠٢٦ اصابت مسيرة ناقلة غاز في ميناء دمياط المصري , اول ضربة على ارض مصرية , لتقول انها تستطيع اذية الطاقة "في اي مكان" . لكن ضربة كهذه ليست استعراض قوة، بل اعلان عجز: من يملك خيارات حقيقية لا يضرب عشوائيا ليثبت انه ما زال حاضرا.
ثالثا , الارتداد: ما فجره الإفراط
لم يكتف الإفراط بالفشل في استعادة الموقع، بل فجر ثلاثة ارتدادات تعمل ضد ايران على المدى الطويل:
١. العالم انقلب. ايران التي بدأت الحرب ولها متعاطفون، خسرتهم حين صارت تضرب السفن والموانئ. بريطانيا وفرنسا والمانيا وهولندا وايطاليا واليابان ادانت هجماتها على البنية الخليجية ، وامريكا سحبت تخفيف العقوبات . تحول التعاطف الى ادانة جماعية.
٢. الخليج يبني مخارجه , وهذا هو الارتداد الاخطر. كل ضربة على الممر سرعت السباق للالتفاف حوله: الامارات تكمل خطا بثلاثة مليارات دولار الى الفجيرة (خارج هرمز) بحلول ٢٠٢٧ ؛ وعمان توسع رأس مركز في الدقم على بحر العرب كـ"بوابة ثانية" ؛ والكويت تبحث ربطا بخطوط السعودية والامارات نحو البحر الاحمر والفجيرة ؛ وبحسب تقديرات يمكن ان يتجاوز نحو ٦٠٪ من صادرات الخليج هرمز بنهاية ٢٠٢٨ . صحيح ان قطر (الغاز المسال) تبقى الاكثر حبسا وان البدائل ما زالت جزئية، لكن الاتجاه حسم: ايران حولت ورقتها الاقوى الى مشكلة يهندس العالم للتخلص منها.
٣. اصطفاف خليجي اميركي ابعد. بدل ان تخيف ايران خصومها، وحدتهم. ضربة ٢٩ يوليو المشتركة (سعودية , اميركية) على فصائل العراق نقلت السعودية من الدفاع الى المبادرة، وقربت التنسيق الامني بدل ان تبعده.
رابعا , التقدير والمؤشرات
التقدير المرجح (بثقة عالية): ايران بالغت في المد وراهنت بكل شيء على ورقة واحدة، فسرعت تآكل نفوذها بدل ان ترممه. الحرب لم تنه ايران خطرا , فهي خطيرة حتى وهي منكشفة , لكنها كشفت ان قوة طهران كانت قائمة على تهديدات لم تختبر: النووي، والاذرع، والمضيق. وحين اضطرت لاختبارها كلها دفعة واحدة، ظهرت حدودها.
المؤشرات التي نراقبها:
هل يتحول نزع سلاح الاذرع (لبنان، العراق، غزة) من اعلان الى واقع؟ هل تكمل مشاريع الالتفاف حول هرمز (الفجيرة، الدقم، الربط الكويتي) جداولها، فيتراجع وزن المضيق كورقة ايرانية؟ هل تعود ايران الى التهديد المضبوط (استعادة قيمة الردع بعدم الاستخدام)، ام تواصل الاستخدام المنفق؟ هل يتعمق الاصطفاف الخليجي الاميركي ويتوسع الانفتاح العراقي على جيرانه، فينحسر النفوذ الايراني في العراق؟
الاطار الصادق: هذا تقدير لقوة نظام ومناوراته، لا حكم على شعب. ايران خطيرة لا ضعيفة، لكنها هنا تصرفت بتهور قصير النظر. والخليج في هذا التقدير طرف قوي يبني بدائله بذكاء، لا ضحية عاجزة. والمتضرر الاكبر من تسليح هرمز هو آسيا والمستهلك العالمي , وعلى راسهم الصين، شريان ايران نفسه.