حِبرٌ من الجيلِ الثالث · منذ ١٩٦١
مقال · ٠٢٢ · ٢١ يوليو ٢٠٢٦كل المقالات ←
تحليل

ستةُ زبائن

تخيّل معي.

خليجٌ يتحرّك كجسدٍ واحد. جيشٌ واحدٌ لا تجرؤ قوةٌ على اختباره، وإعلامٌ واحدٌ يروي حكايتنا قبل أن يرويها غيرُنا عنّا، ومركزُ أبحاثٍ واحدٌ يصنع مستقبلنا بأيدينا، وصندوقٌ واحدٌ لا تستطيع سوقٌ في الأرض أن تتجاهله. ستُّ راياتٍ، وقبضةٌ واحدة. لا أحد يصطاد واحداً منّا على حدة، ولا أحد يرسل الفاتورة إلى كلٍّ منّا وحده، ولا أحد يلعب بنا بعضِنا ضد بعض. تخيّل خليجاً لا يُستدرَج، لأنه ببساطة يقف صفّاً واحداً.

ثم تستيقظ.

تستيقظ على حقيقةٍ يصعب قولها: نحن اليوم نخاف من وحدتنا أكثر مما نخاف من فرقتنا. تعوّدنا أن نُقتنَص واحداً تلو الآخر، ورضينا أن نتحدث كأفراد بينما القوى من حولنا تتحدث كتكتّل. أسّسنا مجلس التعاون عام ١٩٨١ على حلمٍ كبير: سوقٌ مشتركة، وعملةٌ موحّدة، ودفاعٌ واحد. فلنكن صادقين مع أنفسنا، كما يصدُق الإخوة. ماذا بقي من الحلم؟

اليوم نخاف من وحدتنا أكثر مما نخاف من فرقتنا

العملةُ الموحّدة ماتت عام ٢٠٠٩، لا بفعل عدوٍّ، بل في خصامٍ على أيِّ عاصمةٍ يجلس فيها البنك المركزي. عُمان انسحبت قبلها، والإمارات انسحبت غاضبةً حين استقرّ البنك في الرياض لا في أبوظبي، فانهار عملُ عقدين قبل الإطلاق بأشهر. وفي عام ٢٠١٧، فعلنا بأنفسنا ما عجز عنه كلُّ عدوّ: قاطع ثلاثةٌ منّا رابعاً وحاصروه ثلاث سنواتٍ ونصفاً، أخاً لا غريباً. لم ينقذ الموقفَ إلا صوتُ الحكمة، حين تحرّك المغفور له الشيخ صباح الأحمد وسيطاً يجمع ما تفرّق. نحن اليوم أكثر تشتّتاً مما كنّا يوم وقّعنا الميثاق.

الاختلاف طبيعي، وأوروبا مملوءةٌ به. لكنّنا في الخليج قومٌ عاطفيّون، وحين تتكلم الكرامةُ أولاً يتحوّل خلافٌ صغيرٌ إلى جدارٍ لا يُتسلَّق. ثم إنّ كلاً منّا يحرس جيبه وحده. صناديقُنا السيادية، وهي من الأضخم على وجه الأرض إذ تتجاوز خمسة تريليونات دولارٍ مجتمعة، تتسابق إلى لندن ونيويورك وبكين، ولا تلتفت مرةً واحدةً إلى الأخ الجالس بجوارها. صندوقُ السعودية يقارب ألفاً ومئةَ مليار، وصندوقُ أبوظبي مثلَه، والكويت وقطر خلفهما بمئات المليارات. ثروةٌ تكفي لبناء قوةٍ اقتصاديةٍ كبرى، لكنها مبعثرةٌ في ستّ خزائن، تتنافس أحياناً على الصفقة نفسها في السوق نفسها.

انظر إلى من فعلها. أوروبا، بعد أن مزّقت نفسها في حربين عالميّتين، أجلست ست دولٍ إلى طاولةٍ عام ١٩٥١، وجمعت أخطرَ ما تقاتلت عليه: الفحمَ والحديد. لا جيوشَها ولا راياتها، بل صناعتَها. ومن ذلك الحوض الواحد وُلدت سوقٌ، ثم عملة، ثم برلمان، ثم قوةٌ يحسب لها العالم ألفَ حساب. ست دولٍ صارت عملاقاً. ونحن أيضاً ستّ. بدأنا بعدهم بثلاثة عقود، وتحت رمالنا من الثروة ما لم يحلموا به. غير أنهم جمعوا فارتفعوا، ونحن حرسنا فتفرّقنا.

وثمنُ الفرقة يُدفع كلَّ يوم. القوى الكبرى لا تفاوض "الخليج"، بل تجلس مع كلٍّ منّا وحده، وترسل الفاتورة إلى كلٍّ منّا وحده، تريليونٌ من هنا وتريليونٌ من هناك، لأنها تعرف أنّ البيت المنقسم يدفع ما يطلبه الضيف. متفرّقين، نحن ستُّ زبائنَ أثرياء. متّحدين، نحن قوةٌ لا يجرؤ أحدٌ على تسعيرها.

الوحدةُ الحقيقية ليست صورةً في ختام قمة، ولا مساراً مشتركاً في المطار. الوحدة أن نشبك مصائرنا حتى يستحيل فصلُها. صندوقٌ واحدٌ قبل رايةٍ واحدة، ودفاعٌ مشتركٌ قبل نشيدٍ مشترك، وإعلامٌ يروي قصتنا قبل أن يرويها خصومُنا. لنبدأ من حيث بدأت أوروبا، من المال الذي نتنافس عليه. نصبّه في حوضٍ واحد، فيتوقّف الصيدُ من تلقاء نفسه.

فرقتُنا كانت خياراً، صُنع في غرفٍ ملؤها الكبرياء. ووحدتُنا خيارٌ أيضاً، ينتظرنا في الغرف ذاتها. إمّا أن نبقى ستةَ أبوابٍ يطرقها الذئب باباً باباً، وإمّا أن نصير بيتاً واحداً لا يقترب منه. الحلم ليس مستحيلاً، إنه فقط لم يُجمَع بعد. خليجُنا واحد، أو لا يكون.

تابع تدري على إنستاجرام
القصص والمقاطع والتحليل قبل نشره
@tadry.gcc
تطبيق تدري قريباً
نبّهني حين يُطلَق على iOS و Android