خفّضت السعودية سعر نفطها، فقامت الدنيا ولم تقعد. عنوان واحد يتصدر كل شاشة, حرب نفطية بين السعودية والإمارات! قفوا. من باعكم هذا العنوان، باعكم وهماً.
لم تخفّض السعودية سعرها لتطعن جارتها. خفّضته لأن الحرب التي سمّوها سلاماً أغلقت هرمز أسابيع، فانقطع نفط الخليج عن زبائنه في آسيا. ومن ملأ الفراغ؟ أمريكا وروسيا. ضخّت أمريكا نفطاً قياسياً إلى الشرق، وعادت الصين تشتري الخام الأمريكي بعد سنوات، فربح الاثنان من حرب لم يدفعا ثمنها. فلما انفرجت هرمز وعاد نفط الخليج إلى السوق، وجد كرسيه محجوزاً. هذا هو الخفض, معركة لاسترداد سوق خطفتها الحرب، لا سكين في ظهر أخ. والأنكى أن حصة الخليج ذهبت أيضاً إلى نفط روسي وإيراني أرخص، وإيران تغرق السوق بخام مخفّض عبر أسطولها الخفي. تلك هي المعركة الحقيقية، لا معركة مخترعة بين الإخوة.
نعم، خرجت الإمارات من أوبك لتزيد إنتاجها. هذا عامل في السوق، لا إعلان حرب. كل دولة تلعب بأوراقها لمصلحة شعبها، لا ضد جارتها. ومن يحوّل هذا التنافس الطبيعي إلى خصومة دموية، يعرف تماماً ماذا يفعل.
ولنفترض جدلاً أنها حرب أسعار. من يربح؟ لا أحد. حرب الأسعار لا تُخرج منتصراً، تُخرج إيرادات أقل وموازنات أضعف وفرصة أوسع لكل منافس خارج الخليج. واقتصاداتنا ليست جزراً منفصلة، إنها متشابكة حتى النخاع. التجارة بين دول الخليج بلغت رقماً قياسياً، مئة وستة وأربعين مليار دولار في 2024. السعودية أول شريك تجاري للإمارات، والإمارات أكبر شريك عربي للسعودية وأول مستثمر فيها. من يُضعف أحدنا، يُضعفنا جميعاً.
فاسألوا أنفسكم، من المستفيد من أن تُصدّقوا أن الخليج يأكل بعضه؟ ليس نحن. المستفيد هو من يتمنى أن يرانا فرادى سهل الكسر، ومن يعلم أن خليجاً منقسماً أرخص ثمناً من خليج موحّد. كل شماتة بأخ خليجي خدمة مجانية لعدونا.
والحقيقة أن أمامنا خياراً أكبر من سعر برميل. خليج متكامل يبني سلاسل طاقة تراعي مصلحة الجميع، ونقلاً برياً وبحرياً وجوياً يقود العالم، واقتصاداً موحّداً يُضاهي الاتحاد الأوروبي. تعاون يرفعنا جميعاً، لا تنافس يطحننا واحداً واحداً. هذا ليس حلماً، هذا قرار.
فحين ترون من يُشعل ناراً بين إخوة لا حرب بينهم، لا تنفخوا فيها. لسنا خصوماً في سوق، نحن صف واحد. ومن أراد أن يقسّمنا، فليعلم أن ما يجمعنا أثقل بكثير مما يظن.