التقدير (خلاصة تنفيذية)
كل "وقف اطلاق نار" في حرب ٢٠٢٦ يقدم كبداية سلام، وهو في تقديري عكس ذلك تماما: زر اعادة تعبئة. تصمت المدافع فتلتقط امريكا انفاسها لتعيد ذخيرتها الهجومية وتجمع معلوماتها، وتلتقط ايران انفاسها لتعيد دفاعاتها وتبعث الحياة في اذرعها , لا في شعبها المنهك اقتصاديا. فالنظام يقدم اذرعه على ناسه. لذلك لا اقرأ الهدنة الراهنة هدنة سلام ممكن، بل هدنة سلام مستحيل.
الحكم المركزي: الحرب لن تنتهي قريبا (بثقة عالية) لان محركين يبقيانها حية في آن واحد. المحرك الاول ان شروط ترامب لا توقع: فهي اقرب الى استسلام كامل (فتح هرمز، وتسليم البرنامج النووي)، ولا توجد في ايران اليوم مرجعية واحدة تملك ان "تتجرع سم الخميني" وتوقع الهزيمة، بعد ان قتل خامنئي في بداية الحرب وصار القرار الحقيقي بيد الحرس الثوري تحت اسم يرفع لا اكثر. المحرك الثاني ان احدا من الطرفين لا يريد الحسم الآن، لان سعر النفط هو منظم الحرارة الذي يضبط سلوكهما: ايران تبقيه مرتفعا لتحرم ترامب من مكسب التهدئة وتستنزف ارادة جمهوره، وترامب لا يملك الا الاحتواء. محرك يقول "لا نستطيع ان نوقع"، ومحرك يقول "لا نريد ان نهدأ" , وكلاهما يعيد المدافع الى النطق. السكون ليس نهاية الحرب، بل اعادة ترتيب لميدانها.
اولا , السكون المضلل: لماذا هذه هدنة محارب
منذ ٢٨ فبراير ٢٠٢٦، حين بدات الحرب بضربات على النووي الايراني وقتل فيها المرشد علي خامنئي واغلقت ايران هرمز ، والحرب تسير على نبض واحد: تصعيد، ثم هدنة، ثم تصعيد. هدنة باكستانية الوساطة في ابريل انهارت حين تعذر الاتفاق على النووي ، ومذكرة تفاهم لستين يوما في يونيو ، ثم عادت الضربات في يوليو (٨٥ هدفا ثم ٩٠ هدفا) ، ثم وقف جديد مطلع اغسطس . هذا النبض نفسه هو الدليل: من يوقف النار مرارا ثم يعود اليها، لا يصنع سلاما، بل يعيد تعبئة نفسه.
ولهذا لا يصح ان تبني دول المنطقة حساباتها على ان صمت المدافع يعني موت الحرب. فالحروب الكبرى لا تنتهي دائما حين تصمت؛ قد تصمت لانها انتهت، وقد تصمت لانها تستعد لجولة اكبر. وانا ارجح الثانية.
ثانيا , المحرك الاول: كأس لا تشرب
العرض الذي يضعه ترامب امام ايران، كما اقرأه، ليس تسوية متوازنة تحفظ لكل طرف ماء وجهه، بل اقرب الى صيغة استسلام: فتح كامل لمضيق هرمز، وتسليم غير مشروط للبرنامج النووي، وقبول بشروط المنتصر . وقد جعل ترامب هذه الشروط شرطا صريحا لايقاف ضرباته .
قد يناور طرف ايراني منفرد حول هذه الشروط، او يقبل بعضها مضطرا. لكن من المتعذر ان تجتمع عليها كل الفصائل ومراكز القوى داخل الدولة دون تصدع او تمرد. فايران اليوم ليست كتلة واحدة يوقع باسمها رجل واحد فتنقاد له المؤسسات، بل شبكة متداخلة من الجيوش والعقائد والمصالح، لكل منها حدوده وما يعده هزيمة لا تحتمل.
وهنا العقدة الكبرى، وهي جوهر تقديري: لا توجد في ايران مرجعية حاسمة جامعة تستطيع ان "تتجرع سم الخميني" (احتمال مرجح). ففي ١٩٨٨ انهى الخميني حرب الثماني سنوات حين "شرب كأس السم" بعبارته الشهيرة , استطاع ذلك لانه كان السلطة المطلقة الواحدة، فحين شرب اطاع الجسد كله. اما اليوم فقد قتل خامنئي في بداية الحرب ، والاسم الذي يرفع خلفا (نجله مجتبى) ليس اكثر من واجهة , القرار الفعلي بيد الحرس الثوري. ولاول مرة منذ ١٩٧٩ يجلس المتشددون على العرش فعليا لا اسما، وهؤلاء لن يوقعوا على هزيمة يرونها نهايتهم. لا يوجد حلق واحد يشرب الكأس، فتبقى الكأس على الطاولة. وكأس لم تشرب تعني ان الحرب لم تحسم، بل علقت.
(دقة: خلافة مجتبى غير محسومة رسميا وتبقى في حيز الترجيح (بثقة منخفضة)؛ لكن هيمنة الحرس الثوري على القرار بعد مقتل خامنئي مسنودة.)
ثالثا , المحرك الثاني: منظم الحرارة (النفط)
المحرك الثاني اقتصادي بحت، وهو الذي يفسر لماذا لا احد يريد الحسم الآن.
يملك ترامب ان يدمر جسور ايران ومحطات كهربائها في وقت قصير , وقد هدد بذلك حرفيا ("يوم محطات الكهرباء ويوم الجسور في يوم واحد") , لان دفاعات ايران الجوية مهترئة بعد تدمير منظوماتها . لذلك لا تريد ايران ضربة شاملة، وستوافق مرارا على صيغ هدنة جديدة. وترامب بدوره لا يريد ان تتحول الضربة الشاملة الى صدمة في اسواق الطاقة، لان ايران سترد على منشآت الخليج.
لكن , وهنا المفتاح , لا تريد ايران لهذه المعادلة ان توقف القتال تماما وتسقط النفط نحو ٦٠ او ٧٠ دولارا. فذلك يمنح ترامب مكسبا داخليا ويتيح له الافلات سياسيا من تبعات الحرب. لذلك تقبل ايران هدنة تقيد يد الرئيس، ثم تقوضها بدرجة محسوبة تبقي النفط مرتفعا على نحو غير مريح (بثقة متوسطة، فهي قراءة نية)، فتحرم ترامب والجمهوريين من مكسب التهدئة، وتستنزف ارادة جمهور اميركي لا يؤيد الحرب اصلا.
والسعر نفسه هو المؤشر الذي يضبط الطرفين، وهذا هو اطار القراءة كما اراه (بثقة متوسطة، لا رقم مقدس، بل حدود سلوك):
عند نحو ٩٠ دولارا فصاعدا، يبدا المستهلك الاميركي يشعر بالحرب , وضع مريح لايران. عند ١١٠ , ١٢٠، يفقد ترامب فائدة الهدنة ويواجه خطر هزيمة ساحقة في التجديد النصفي، فقد يفقد حافز التهدئة. عند ١٣٠ , ١٥٠، قد يتحول الى رئيس ضعيف لا مصلحة له في خفض التصعيد، بل قد ينتقل الى استراتيجية اسقاط النظام , وهو ما لا تريده ايران. هذه الحدود اسنادها في تقديرات السوق: غولدمان ساكس رجح بلوغ برنت ١٠٠ , ١٢٠ دولارا مع استمرار اغلاق هرمز ، وحذرت تقديرات من الاقتراب من ١٤٠ , ١٥٠ في اسوأ السيناريوهات .
والسلوك الفعلي يثبت القراءة. في يونيو، حين ساد الظن ان ترامب لا يريد القتال قبل الانتخابات وان ايران لا تريد تدمير كهربائها، هبط برنت الى مستويات ما قبل الحرب (نحو ٧١ دولارا مطلع يوليو) . لكن القتال والسعر ارتدا فورا بعد ضربات ٨ يوليو (٧٦ ثم ٨٥ ثم فوق ٩٠ اواخر الشهر) ، لان تقديم هدية مجانية لترامب قبل التجديد النصفي لا يخدم ايران. عبر هرمز يمر نحو ٢٠ مليون برميل يوميا ، وايران تبقيه ورقة ("سلاح يجب ان يستمر استخدامه" بتعبير ايراني) ، لكن بجرعة لا تغلقه نهائيا بل تبقي السوق قلقا.
رابعا , الاذرع: من يبعث ومن يخنق
كيف تبقي ايران الحرارة مرتفعة دون ان تتحمل وحدها كلفة الفعل المكشوف؟ بايد يمكن انكار صلتها بها معقولا:
الحوثيون (اليمن): بعد صمت لاشهر، اعلنوا في يوليو ٢٠٢٦ حصارا بحريا وضربوا ناقلات سعودية (انسيليا وليلى في ٢٢ يوليو، ثم NCC غزال في ٢٨ يوليو) . عادوا يرقصون على ايقاع ايران في باب المندب. فصائل العراق: في اواخر يوليو ضربت مسيرات منطلقة من العراق اهدافا سعودية (اكدت الخارجية السعودية استهداف المملكة بمسيرات من العراق)، فردت السعودية وامريكا بضرب الفصائل داخل العراق (نحو ٢٠ قتيلا) . (دقة: نسبة الهجوم على السعودية سعودية , اميركية، والفصائل انكرت , تنسب لا تطلق حكما نهائيا.)
لكن ما تعجز ايران عن بعثه اهم مما تبعثه: حزب الله وحماس محاصران لان جسر سوريا انقطع. ففي ١٦ يوليو ٢٠٢٦ ضبطت سوريا (حكومة الشرع بعد سقوط الاسد) شحنة صواريخ ومسيرات في معبر التنف قالت انها في طريقها الى حزب الله . الطريق التاريخي , ايران فالعراق فسوريا فلبنان , مقطوع. حزب الله يرفض نزع سلاحه لكنه معزول عن التموين، وحماس تدفع الى صيغة نزع سلاح في غزة ، وقيادة سنتكوم اعلنت في مايو ان حماس وحزب الله والحوثيين "مقطوعون عن دعم ايران" , تقدير اميركي تجاوزته عودة الحوثيين في يوليو جزئيا، لكنه يصف واقع التموين.
فالنظام يبعث ما يستطيع الوصول اليه (اليمن، العراق)، ويعجز عما قطع طريقه (لبنان، غزة)، وينفق على ذلك كله بينما شعبه يرزح تحت كارثة اقتصادية. اذرع اهم من الناس , تلك هي اولوية النظام كما تكشفها الحرب.
خامسا , التقدير والمؤشرات
التقدير المرجح (بثقة عالية): الهدنة الراهنة استراحة محارب، لا سلام. المحركان , "لا نستطيع ان نوقع" و"لا نريد ان نهدأ" , يعيدان القتال. وارجح تصاعده خلال ٢٠٢٧، خاصة في نصفه الاول حين تزول القيود الانتخابية عن ترامب، وتسعى ايران لتعظيم نفوذها استعدادا لـ٢٠٢٨ وردع اي رئيس اميركي مقبل. واذا عادت الحرب فقد لا تكون جولة محدودة، بل تتسع بقدر ما تحتمله خرائط الطاقة ومراكز النفوذ , فيصبح الخليج في قلب العاصفة لا على اطرافها (احتمال منخفض).
لكن الدقة تقتضي حدين: (١) هذا تقدير لسلوك نظام، لا نبوءة كارثة؛ قد تطيل جرعات الدبلوماسية الهدنة اكثر مما ارجح. (٢) قيد ترامب نفسه حقيقي: تاييده الصافي نحو سالب ١٩ بالمئة ، والتضخم يؤلم جمهوره ، والاحتياطي النفطي الاستراتيجي عند ادنى مستوى منذ ٤٣ عاما ولم يعد بناؤه لمستويات ما قبل ٢٠٢٢ ، والتجديد النصفي في ٣ نوفمبر استفتاء عليه واقتصاده . لذلك استراتيجيته احتواء لا حرب واسعة: يهدد ليعيد ايران الى الطاولة، لا ليفتح جبهة تفجر الاسعار فتضرب الطلب وتضرب ارثه وحزبه.
المؤشرات التي اراقبها:
سعر برنت: هل تتركه ايران يهبط عند التوازن ثم تعيد اثارة القلق؟ عودة الصعود فوق ٩٠ , ١٠٠ مؤشر تصعيد مقبل. دوام الهدن: كل هدنة تنهار بعد اسابيع تؤكد "استراحة المحارب". هل تظهر في ايران سلطة جامعة قادرة على قرار كبير (تسوية او تصعيد)، ام يبقى القرار موزعا بيد الحرس؟ نزع سلاح حزب الله وحماس: من اعلان الى واقع؟ وهل يعود جسر سوريا بطريق بديل؟ ما بعد ٣ نوفمبر: زوال القيد الانتخابي عن ترامب قد يطلق يده , صعودا او هبوطا.
الاطار الصادق: هذا تقدير لسلوك نظام ومناوراته، لا حكم على شعب ايراني هو اول ضحايا هذه الاولويات المقلوبة. والخليج هنا طرف قوي يبني بدائله ويردع، لا ضحية عاجزة. والمتضرر الاكبر من ابقاء الحرب على نار هادئة هو المستهلك العالمي , ومعه ايران نفسها التي تراهن بكل شيء على ورقة تخنق شريانها الى الصين، اذ يعبر اكثر من ٨٠٪ من صادراتها النفطية الى الصين هرمز نفسه .