حِبرٌ من الجيلِ الثالث · منذ ١٩٦١
مقال · ٠٣٢ · ٧ أغسطس ٢٠٢٦كل المقالات ←
تقدير استراتيجي / Strategic Assessment

اللوحة الجديدة

The New Board
مزيج الثقة٨ تقييماً
٤٩٪حقائق موثقة١٣٪تقدير٣٨٪ترجيح

النظام الاقليمي القديم , مظلة اميركية تحمي الجميع، ومحور ايراني حي يفرض الايقاع، وجامعة عربية تصدر البيانات , انتهى. ما يحل محله، كما اقرأه، ثلاثة تكتلات مائعة غير رسمية: محور ايران المنهار، وتكتل عربي-اسلامي بقيادة السعودية، ومسار اسرائيلي-اماراتي منفصل. والمعنى الذي يهم جمهورنا ليس "اختر فريقك"، بل ان المبادرة انتقلت: بعد عشرين عاما ضبط فيها محور ايران ايقاع المنطقة عبر اذرعه، تراجع هذا المحو…

التقدير

النظام الاقليمي القديم , مظلة اميركية تحمي الجميع، ومحور ايراني حي يفرض الايقاع، وجامعة عربية تصدر البيانات , انتهى. ما يحل محله، كما اقرأه، ثلاثة تكتلات مائعة غير رسمية: محور ايران المنهار، وتكتل عربي-اسلامي بقيادة السعودية، ومسار اسرائيلي-اماراتي منفصل. والمعنى الذي يهم جمهورنا ليس "اختر فريقك"، بل ان المبادرة انتقلت: بعد عشرين عاما ضبط فيها محور ايران ايقاع المنطقة عبر اذرعه، تراجع هذا المحور الى العراق وزاوية في اليمن، وفي الفراغ , لاول مرة منذ عقود , يتصلب تكتل اقليمي حقيقي بقيادة السعودية، له اتفاق بأسنان، تشكل خارج الجامعة العربية.

الحكم المركزي (بثقة عالية): محور ايران لم يعد شبكة اقليمية، بل صار عمليا "مال العراق وميليشياته، مع حوثي محاصر". سقطت سوريا وانقطع الجسر البري، وتحطم حزب الله، وكسرت حماس، وحوصر الحوثيون؛ ولم يبق لطهران ذراع متماسكة وممولة وراسخة الا في العراق، وهو ايضا رئتها المالية. وفي المقابل (بثقة عالية): التكتل الذي تقوده السعودية هو الاصلب منذ عقود، ليس لانه حلف مكتمل، بل لان له , لاول مرة , بنية حقيقية (اتفاق مكة، قوة منشورة) بدل بيانات القمم. اما ثالث التكتلات، الاسرائيلي-الاماراتي، فهو , وهذا جوهر ما يجب توضيحه , مسار منفصل، بل منافس احيانا، لا جزء من تكتل السعودية.

اولا , المحور: من شبكة الى هيكل عظمي

لعشرين عاما كان "محور المقاومة" ذراع ايران الطويلة، قوسا من الوكلاء من لبنان الى اليمن. انهار هذا القوس الى عقد متناثرة متدهورة، تعمل لمصلحتها الذاتية اكثر مما تعمل لطهران .

سوريا , الخسارة الكبرى. سقط بشار الاسد في ٨ ديسمبر ٢٠٢٤ بيد تحالف اسلامي (الرئيس الانتقالي احمد الشرع)، فخسرت ايران جسرها البري الى حزب الله، وقاعدتها المطلة على المتوسط، ووجودها المنتشر. اخرجت استراتيجيا . حزب الله , محطم. اغتيل نصرالله (٢٠٢٤)، وتحطمت كوادره، وهو اليوم امام خطة نزع سلاح بيد الجيش اللبناني وحكومة تميل للحياد . من "بيضة القبان" الى ظل مقيد. حماس , مكسورة كقوة تقليدية. بعد نحو ثلاث سنوات تراجعت الى تمرد وقطعت رؤوس قيادتها مرارا؛ وهي اصلا الاقل اندماجا بايران، فسقوطها اقل اثرا في تماسك المحور. الحوثيون , محاصرون لكنهم الاكثر نشاطا. صعدوا نسبيا مع انكماش المحور، وما زالوا يضربون السعودية والبحر الاحمر، لكنهم معزولون في زاوية اليمن، وحذرون (يتجنبون اغلاقا كاملا لباب المندب)، ويتصرفون كطرف لمصلحته لا كريموت بيد طهران . فصائل العراق , الذراع الوحيدة المتماسكة. (تفصيلها في القسم التالي.)

(دقة: اليمن يحمل العبء الحركي (الضربات)، والعراق يحمل المال والرسوخ , لا ادمج الدورين. والمحور "متدهور ومتشظ، لا ميت" .)

ثانيا , ما بقي: العراق، آخر معقل ورئة التمويل

هذا اقوى ما في التقدير، ومسنود بعقوبات رسمية:

فصائل العراق (الحشد الشعبي / "المقاومة الاسلامية في العراق" , كتائب حزب الله، النجباء، سيد الشهداء) هي الذراع الاكثر تماسكا وتجذرا وتمويلا؛ يقدر مركز صوفان انها تسهم في مجهود ايران الحربي اكثر من اي عضو آخر في المحور، وكونها على رواتب الدولة يمنحها غطاء قانونيا-ماليا لا تملكه ذراع اخرى .

والعراق رئة ايران المالية: سمت الخزانة الاميركية شبكات تهرب النفط الايراني وتعيد تسميته عراقيا، وسمت مسؤولا عراقيا فاسدا سهل ذلك ؛ ومزاد الدولار وبنوك العراق هما قناة العملة الصعبة التي تضيق واشنطن الخناق عليها بتقييد حسابات العراق لدى الفيدرالي .

(دقة حاسمة: لا رقم دقيق موثوق لحجم "شريان العراق" , الاتجاه (صاعد كلما اغلقت العقد الاخرى) والآليات (اعادة تسمية النفط، مزاد الدولار) موثقة، اما "س مليار عبر العراق" فاستقراء لا رقم مدقق. والعراق "آخر معاقلها" لا "معقل متماسك": الحشد متشظ، وبغداد تحاول البقاء خارج الحرب.)

الخلاصة: المحور اليوم عمليا "مجمع العراق للمال والميليشيا، مع حوثي محاصر". هذا ما تبقى من مشروع اقليمي دام عشرين عاما , مع شريان اقتصادي ثان ظهر لاحقا، تجاري ومكشوف هذه المرة: الامارات (القسم رابعا).

ثالثا , الجديد فعلا: تكتل حقيقي بقيادة السعودية، خارج الجامعة

الشيء الجديد الوحيد على اللوحة تكتل عربي-اسلامي محوره السعودية , السعودية وتركيا وباكستان ومصر , يتمدد الى علاقات اوسع في المنطقة لتنسيق مواجهة الازمات.

قلبه الصلب حقيقي لا خطابي: اتفاق مكة للدفاع المشترك (٧ اغسطس ٢٠٢٦)، دفاع مشترك سعودي-تركي-باكستاني يوسع الاتفاق السعودي-الباكستاني من سبتمبر ٢٠٢٥، ومسنود بنشر فعلي (تفيد تقارير رويترز عن مصادر، بثقة منخفضة: مقاتلات باكستانية ومنظومة دفاع جوي صينية على قاعدة سعودية منذ ابريل). راجع ملفي «طار قبل التوقيع» و«درع لا سيف» . يتشكل خارج الجامعة العربية , وهذه هي النقطة. ثمانون عاما من بيانات الجامعة لم تنتج تكتلا امنيا بأسنان؛ هذا يتشكل عبر اتفاقات ثنائية وقوات منشورة، بقيادة السعودية، لا من قاعة قمة تخرج بصورة جماعية. ما هو له: موازنة ايران ودفع هيمنتها واذرعها الى الوراء؛ وبحسب النموذج، تحوط ايضا من المسار الاسرائيلي-الاماراتي. والسعودية اثبتت انها تضرب فعلا (انصار الله في اليمن، وفصائل ايران في العراق) مع دفع قوي للدبلوماسية (وساطات باكستان وقطر وعمان).

(دقة: ثغرات يجب قولها. باكستان تجاور ايران وتتوسط في ملفها , تحصن دفاع السعودية لكنها لن تهاجم اذرع ايران في العراق (حد حقيقي). ومصر لها حساباتها وعلاقتها باسرائيل متوترة. وقطر تتحوط، والكويت طلبت ضمانة باكستانية فرفض قتاليها، والعراق منقسم. فهو تكتل مصلحة يتصلب حول تهديد مشترك، لا "ناتو" مكتمل , لكن الاتجاه لا لبس فيه، والسعودية على راسه.)

رابعا , مسار منفصل: اسرائيل والامارات (لا تخلطه بالتكتل)

للامانة، وهذا ما يجب توضيحه بوضوح: الامارات واسرائيل ليستا في تكتل السعودية، بل في مشروعهما الخاص، وهو احيانا منافس.

ما هو: محور محوره اسرائيل , الامارات (اتفاقات ابراهام ٢٠٢٠) + الهند واليونان وقبرص؛ مجموعة I2U2 (الهند-اسرائيل-الامارات-اميركا)؛ وممر IMEC؛ وخطة عسكرية اسرائيلية-يونانية-قبرصية شرق المتوسط (ديسمبر ٢٠٢٥) . رابطه: التقنية وممرات التجارة، ومواجهة ايران، وموازنة تركيا شرق المتوسط. لماذا يتميز عن تكتل السعودية , خط الصدع الجوهري: السعودية لم تطبع مع اسرائيل , اكد محمد بن سلمان (نوفمبر ٢٠٢٥) لا تطبيع دون مسار لدولة فلسطينية ، وثبت الخط حتى حين ربط ترامب صفقة النووي المدني بالتطبيع (٢٣ يوليو ٢٠٢٦) . الامارات طبعت وضاعفت. فالمسار الاماراتي-الاسرائيلي هو مسار التطبيع والتقنية، وتكتل السعودية هو المسار غير التطبيعي، المرتبط بفلسطين، العربي-الاسلامي. تصادما بالوكالة (دليل انهما ليسا فريقا واحدا): اليمن، يناير ٢٠٢٦ , المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم اماراتيا استولى على حضرموت والمهرة، فاستعادتهما قوات مدعومة سعوديا خلال ايام وأخرجت القوات الاماراتية . والسودان , الامارات تدعم قوات الدعم السريع (تنفي، والامم توثق)، والسعودية تدعم الجيش . قلق اسرائيل نفسها: لجنة ناغل الاسرائيلية (يناير ٢٠٢٥) حذرت من ان محورا سنيا بقيادة تركيا "قد يفوق خطر ايران" . فاسرائيل تنظر بريبة متزايدة الى تكتل السعودية-تركيا، لا كشريك. والمفارقة الاكبر , الامارات تبقي اقتصاد ايران الحربي يتنفس. بينما تضرب اذرع ايران السعودية، هدأت الامارات جبهتها مع طهران واعادت فتح القنوات: اكثر من ٦٠ سفينة حاويات عبرت الخليج في يوليو (مقابل ١٠ في يونيو) محملة ادوية واغذية الى ايران ؛ وكانت الامارات الاكبر تصديرا للنفط عبر هرمز في يوليو ؛ وتبقى معبر السيولة الدولارية والغذاء (حبوب واعلاف) الذي تعجز طهران عن تأمينه وحدها. عمليا صارت الامارات شريان ايران الاقتصادي الثاني بعد العراق , تجاري ومكشوف هذه المرة (تقدير، بثقة متوسطة). لكن انتبه للدافع (تصحيح لقراءة شائعة): هذا لا يخدم اسرائيل ولا "حربا مطولة" يريدها احد. بالعكس، تدفق الغذاء والدولار الى ايران يقوض استراتيجية الضغط الاميركية-الاسرائيلية، ويفشل تحديدا فكرة "الحصار البري" التي طرحها نتنياهو على ترامب لتجويع ايران . والامارات لا تتصرف كوكيل لاسرائيل بل لمصلحتها: اقتصاد دبي واعادة التصدير والسياحة، وتفادي صواريخ ضربتها فعلا، والتموضع لتسوية ما بعد الحرب. والدليل الحاسم انها نفسها ضغطت على ترامب لتشديد الموقف من ايران ، بل قصفت ايران عشرات المرات مطلع الحرب وجمدت حساباتها في مارس . من يطعم عدوه خدمة لاسرائيل لا يقصفه ولا يطالب واشنطن بتشديد الخناق. فالصورة الادق (بثقة عالية): الامارات محاوط يلعب كل الجهات لمصلحته، لا دمية بيد احد , وهذا اخطر واذكى من نظرية "الوكيل".

(دقة: تبقى الامارات تشارك السعودية هدف احتواء ايران، وكلاهما شريك لواشنطن، والتحالفات مائعة. ف"مساران منافسان" صحيح اليوم، لكن التنافس غير متكافئ (للسعودية افضلية بنيوية) ولا شيء مقفل. وبعض تفاصيل التهدئة الاماراتية-الايرانية غير مؤكدة: "هدنة منتصف يونيو وتجنيب المدن الاماراتية" لم اؤكدها (بثقة منخفضة؛ الفتح موثق اواخر يوليو وبمبادرة ايرانية) ، ورواية "دفعت الامارات مليارات" منسوبة لرويترز لكنها متنازع عليها وغير مثبتة (بثقة منخفضة) . الثابت: التجارة والغذاء والدولار عادت، وهي تطيل عمر اقتصاد الحرب في ايران اسابيع اضافية.)

خامسا , التقدير والمؤشرات

التقدير المرجح (بثقة عالية): العنوان ليس "ثلاثة فرق متساوية"، بل ان المنطقة توقفت عن الانتظار. لعشرين عاما ضبط محور ايران الايقاع بينما تجمد الفعل العربي الجماعي؛ اليوم تدهور المحور الى مال وميليشيات في العراق وحوثي محاصر، وفي الفراغ يتصلب , لاول مرة منذ عقود , تكتل اقليمي حقيقي بقيادة السعودية، بأسنان، خارج الجامعة العربية. هو فتي وغير مكتمل ومليء بالثغرات (حد باكستان تجاه ايران، حذر مصر، تحوط قطر)، والمسار الاسرائيلي-الاماراتي يجري سباقه المنفصل , لكن اتجاه الحركة لا لبس فيه: السعودية، لا ايران، تضبط الاجندة الاقليمية الآن.

المؤشرات التي اراقبها:

هل يتحول اتفاق مكة من اطار الى بنية حقيقية (قيادة مشتركة، قواعد، تدريبات دورية)؟ العراق: هل تنزع سلاح الفصائل مع مهلة ٣٠ سبتمبر، وهل يضيق شريان التمويل فعلا؟ هل يعود جسر سوريا لايران بطريق بديل، ام يبقى مقطوعا؟ التوسع: هل تنضم مصر عضوا كاملا، او الكويت، ام ينكفئ التكتل؟ خط الصدع مع الامارات: هل يتسع (اليمن، السودان) ام يدار بهدوء؟

الاطار الصادق: الهدف في تقديري هو هيمنة ايران واذرعها المسلحة، لا طائفة , وشعب ايران اول ضحايا اولويات نظامه المقلوبة. ولا ارسم "نظاما جديدا" مكتملا: هذه تكتلات مائعة تتحوط وتتنافس في آن، وتسمياتها ("الالماسة السنية"، "السداسي") نموذج محلل (فريدريش ايبرت) لا اعلان دول . لكن ما اثق به: المبادرة انتقلت الى السعودية.

تابع تدري على إنستاجرام
القصص والمقاطع والتحليل قبل نشره
@tadry.gcc
تطبيق تدري قريباً
نبّهني حين يُطلَق على iOS و Android