في الظاهر بيتٌ واحد. ستُّ دولٍ ومجلسٌ واحد وبيانٌ ختاميٌّ في كل قمة يقول إننا صفٌّ واحد. لكن تحت السطح يجري سباق. كلُّ دولةٍ تركض نحو القوة بأقصى ما تستطيع، وكلٌّ تركض في مسارها وحدها، ونحو راعٍ مختلف. ومن حقّ الكلام الصريح أن يُقال، فالوحدة لا تُبنى بالمجاملة، وإنما بأن يقف أحدٌ ويسمّي السباق باسمه.
الإمارات، الرهان على الأقوى
اختارت الإمارات أن تربط نفسها بالأقوى، وأن تجعل من نفسها جزءاً لا يُستغنى عنه في المنظومة الأمريكية الإسرائيلية. في الحرب الأخيرة كانت أكثر دول المنطقة استهدافاً من إيران، فأرسلت إليها إسرائيل منظومة القبة الحديدية ونسخةً من شعاع الحديد وعشرات من جنودها ليشغّلوها، لأول مرة تضع فيها إسرائيل هذا النظام في بلدٍ آخر، وأكّد ذلك السفير الأمريكي ووزيرٌ إسرائيلي. أي أن دفاع الإمارات عن سمائها صار بأيدٍ إسرائيلية على أرضها.
ثم جاءت الخطوة الأكبر. رفعت وزارة التجارة الأمريكية الإمارات إلى فئة الثقة العليا المعروفة بـ A:5، فأخرجتها من قوائم القيود وفتحت لها باب الرقائق المتقدمة بلا تراخيص. شركاتٌ مثل جي 42 وكور 42 صارت تستورد رقائق إنفيديا وإيه إم دي للذكاء الاصطناعي دون إذنٍ مسبق، ووعدت الوزارة بمراجعةٍ متساهلة لطلبات شركة إم جي إكس. وهذا يكمل إطار التعاون في الذكاء الاصطناعي الذي وُقّع في مايو 2025 وفتح الباب لمئات الآلاف من رقائق إنفيديا. ومن يملك الرقاقة يملك مفتاح الاقتصاد القادم.
من كرسي الإمارات هذا حسابٌ ذكي. اربط أمنك بالقبة الحديدية، واربط اقتصادك برقائق إنفيديا، فتصير حمايتهم حمايتك وقوّتهم قوّتك، وتتحوّل إلى مركز المنطقة في التقنية والدفاع. لكنه في جوهره رهان. رهانٌ على أن يبقى الراعيان قويّين قائمين إلى الأبد، وأن يبقى الباب مفتوحاً. وحتى هذا الباب غير مضمون، ففي مجلس الشيوخ الأمريكي يتحرّك مشرّعون لنقض صفقة الرقائق كلها خوفاً من تسرّبها إلى الصين. من يعلّق حياته بحبلٍ في يد غيره، يبقى معلّقاً ما دامت اليد راضية، لا يوماً بعده.
السعودية، توزيع الرهان
سلكت السعودية طريقاً آخر في السباق نفسه. لا تريد أن تضع بيضها كله في سلة راعٍ واحد، فوزّعته. وقّعت في سبتمبر 2025 اتفاق دفاعٍ مشترك استراتيجي مع باكستان بظلاله النووية، يجعل الاعتداء على أحدهما اعتداءً على الآخر، ثم رأينا مقاتلاتٍ باكستانية تحطّ في قاعدة الملك عبدالعزيز الجوية. وفي الوقت نفسه تشتري سلاحها من أمريكا، وتأخذ التقنية من أمريكا والصين معاً، وتوسّع تعاونها مع تركيا ومصر.
ومن كرسي السعودية هذا أيضاً حسابٌ ذكي. حين يخذلك حليفٌ واحد لا تسقط، لأن لك حلفاء آخرين. توزيع الرهان يجعل سقوط أي طرفٍ محتمَلاً لا قاتلاً. غير أن هذا كذلك سعيٌ إلى القوة، وهو كذلك لنفسه أولاً. مسارٌ أعرض من مسار جارتها، لكنه يجري في الاتجاه ذاته، إلى الخارج، نحو أطرافٍ من وراء الحدود، لا نحو الجار.
والخليج؟
هنا تُقال الحقيقة بلا تجميل. أكبر دولتين في هذا البيت تركضان بأقصى سرعةٍ نحو القوة، واحدةٌ تربط كل شيء بالغرب، والأخرى توزّع رهاناتها على عواصم عدة، وكلتاهما تركض وحدها. لا لومَ على دولةٍ تريد أن تقوى، فالضعف ليس فضيلة. لكن السؤال الذي لا مفرّ منه، هل تُبنى هذه القوة للدولة أم للخليج؟ فما نراه ليس بناءً لبيتٍ واحد. إنه سكّانٌ يحفر كلٌّ منهم بئره الخاصة ويظنّ أنه في مأمن، والبيت نفسه بلا أساسٍ يجمعه.
ولا تنتظر أن يُفتح الباب للبقية. المفتاح الذي نالته دولةٌ واحدة يبقى في يدها وحدها، ولا يصير مفتاحاً خليجياً لمجرّد أن حامله خليجي. فإذا كان بابُ A:5 لدولةٍ واحدة يثير هذا الجدل كله داخل أمريكا، فمن يظنّ أن مثله سيُفتح لبقية دول الخليج؟ ما يُنال وحده يبقى وحده.
خاتمة
الخطر ليس أن يقوى جار. نحن نريد جيراننا أقوياء، فقوّتهم جزءٌ من قوّتنا. الخطر أن يقوى كلٌّ وحده، مشدوداً إلى عاصمةٍ بعيدة، بينما القوةُ الوحيدة التي لا تحتاج راعياً، خليجٌ يقف على قدميه صفّاً واحداً، تبقى بلا بانٍ.
الجميع يركض في السباق الخطأ. السباق الذي يستحقّ الفوز ليس نحو واشنطن ولا نحو غيرها، بل نحو بعضنا بعضاً. والسؤال الحقيقي ليس إلى من ربطت الإماراتُ نفسها، ولا كيف نوّعت السعوديةُ رهاناتها. السؤال هو متى يربط الخليجُ نفسه بنفسه.