التقدير (خلاصة تنفيذية)
محور المقاومة لم يمت، لكنه لم يعد مشروعا اقليميا. سقطت سوريا وانقطع الجسر البري، وتحطم حزب الله، وكسرت حماس؛ فتقلص المحور من قوس ممتد من لبنان الى اليمن الى ما يشبه يدا لم يبق فيها الا اربع اوراق: ورقة المال (العراق)، وورقة الازعاج (الحوثيون)، والورقة النووية (عتبة القنبلة)، وورقة الترسانة المنهكة (صواريخ ايران ومسيراتها، وما تبقى من حزب الله). والحكم المركزي، كما اقرأه (بثقة عالية): السؤال الصادق لم يعد "هل انهار المحور" , فقد انهار مشروعه فعلا , بل "ماذا بقي في اليد"، والاهم من ذلك ان الاوراق التي نجت هي بالضبط الموجهة نحو الخليج لا نحو واشنطن. فمال العراق يجري في مصارف الجوار وسوق نفطه، وازعاج الحوثيين يقع على ممرات شحننا، والورقة النووية , ان لعبت , تسقط على عواصم الخليج اولا.
لذلك فان "المحور انتهى" نصف حقيقة مريحة، و"المحور عاد" هلع في غير محله. والاصح في تقديري (بثقة متوسطة): محور اصغر، لكنه اقرب الينا. اليد القصيرة تخسر مع الوقت اذا استمر الضغط , عقوبات على المال، ومهلة نزع السلاح في العراق، واعتراض التهريب، ونظام تفتيش حقيقي للنووي , اما ان يستعيد اللاعب المحاصر انفاسه فتطول اللعبة. والجواب ليس الخوف ولا الطمأنينة، بل رصد الاوراق الاربع الباقية وخنق اوكسجين كل ورقة على حدة. والخطر الاصل: ان اللاعب المحاصر قليل الاوراق قد يلعب اخطرها، لا ان يطوي.
اولا , من يد كاملة الى اربع اوراق
لعشرين عاما كانت "يد" ايران كاملة: حزب الله بيضة القبان، وسوريا الجسر والعمق، وحماس الجبهة الجنوبية، وفصائل العراق، والحوثيون، ومن خلفهم العتبة النووية. انهار معظم هذه اليد:
- سوريا , الورقة المحروقة الكبرى. سقط بشار الاسد في ٨ ديسمبر ٢٠٢٤، فانقطع الجسر البري الذي كان يسلح حزب الله .
- حزب الله , محطم. اغتيل نصرالله (سبتمبر ٢٠٢٤) وتحطمت كوادره، وترسانته اليوم كسر مما كانت، وهو امام خطة نزع سلاح لبنانية . (تفصيله في الورقة الرابعة.)
- حماس , مكسورة كقوة تقليدية، تراجعت الى تمرد، وهي اصلا الاقل اندماجا بايران.
هذه اوراق باتت على الطاولة مكشوفة ومحروقة. يبقى في اليد اربع اوراق، نعدها واحدة واحدة.
ثانيا , الورقة الاولى: المال (العراق)
بعد سقوط سوريا وتحطم حزب الله، صار العراق اكثر معاقل ايران رسوخا , لا بصواريخه بل باقتصاده. النفط الايراني يمزج بالعراقي في البحر ويباع "عراقي المنشأ بالكامل"، والدولار يتسرب الى ايران عبر مصارف العراق ومزاد العملة. هذه هي الورقة الهادئة: انها تمول الشبكة كلها.
- من المؤكد (الخزانة الاميركية): في ٢ سبتمبر ٢٠٢٥ عاقبت واشنطن شبكة اعادة تسمية للنفط قدرت قيمتها بنحو ٣٠٠ مليون دولار سنويا، تمزج النفط الايراني بالعراقي وتسوقه عراقيا . وفي ٧ مايو ٢٠٢٦ عاقبت نائب وزير النفط العراقي نفسه، وجمدت نحو نصف مليار دولار بعملات مشفرة مرتبطة بالنظام .
- موثق (LSE): العراق يحتفظ بنحو ٩٩ مليار دولار احتياطي معظمه بالدولار لدى الفيدرالي الاميركي، وهو المعبر الذي تضيق واشنطن عبره الخناق؛ وارداته من ايران قدرت بنحو ٧٫٧ مليار دولار في ٢٠٢٤ .
- من المؤكد (مهلة): حددت القوى العراقية ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦ موعدا لـ"السلاح خارج الدولة"، وبعده يعالج نشاط الفصائل بقانون مكافحة الارهاب. يرجح ان الالتزام جزئي: تفيد التقارير ان ثلاث مجموعات فقط اعلنت الاندماج والاغلبية تقاوم .
(دقة: لا رقم دقيق مدقق لحجم "شريان العراق". الرقم الرسمي النظيف هو شبكة الـ٣٠٠ مليون ؛ اما "اكثر من مليار سنويا" و"٣٠٠ الف برميل يوميا فرق تصدير" فاستقراءات صحفية وتحليلية، تذكر كمدى لا كرقم قومي مدقق. والاصح وصف العراق بـ"اكثر معاقل ايران رسوخا وهو ايضا متنازع عليه" (صوفان) لا "اصلها المضمون" .)
ثالثا , الورقة الثانية: الازعاج (الحوثيون)
الحوثيون هم آخر ورقة حركية فاعلة، والسبب لامتماثلية خالصة: مسيرة بنحو ١٥٠٠ دولار او زورق مفخخ يمكن ان يقفز بتامين مخاطر الحرب ويعيد توجيه جزء من التجارة العالمية حول افريقيا، بينما كلف اضعافهم , لا كسرهم , حملة اميركية طويلة.
- من المؤكد (EIA): تدفق النفط عبر باب المندب هبط اكثر من النصف، من ٨٫٧ الى ٤٫٠ مليون برميل يوميا ؛ و(IMF) تجارة قناة السويس هبطت نحو ٥٠٪ مطلع ٢٠٢٤، والسويس تحمل عادة نحو ١٥٪ من التجارة البحرية العالمية .
- من المؤكد (Insurance Journal): بعد اعلان الحصار في يوليو ٢٠٢٦ قفز تامين مخاطر الحرب من نحو ٠٫٣٪ الى نحو ٠٫٧٥٪ من قيمة السفينة، اي مئات الالوف اضافية للرحلة الواحدة .
- موثق (CTC West Point): حملة "Rough Rider" الاميركية شنت ١١٠٠+ ضربة في ٥٢ يوما بكلفة نحو ١-٢ مليار دولار، وخلاصتها ان قدرات الحوثيين "أضعفت لكنها بقيت"، لا كسرت .
- يرجح (The National): ترسانتهم نحو ١٠٠-٢٠٠ صاروخ باليستي واقل من نحو ١٠٠٠ مسيرة، تجمع من قطع مهربة؛ وهم يتصرفون بمبادرتهم داخل المحور اكثر مما يتصرفون بامر مباشر من طهران .
(دقة: ارقام الترسانة تقديرات لا احصاء موثق، والحوثيون يبالغون فيها بينما تقلل واشنطن واسرائيل؛ وادعاءات "الصواريخ الفرط صوتية" متنازع عليها. وبعض انكماش الحركة في السويس يعكس حذر المشغلين لا الضربات الجارية , فقد بقيت الحركة منخفضة حتى في اشهر هدوء. القيمة "الازعاجية" حقيقية، اما البقاء الاستراتيجي فمسالة اخرى: هم محاصرون في زاوية اليمن، ويعتمدون على تهريب ايراني هش للقطع المتقدمة.)
رابعا , الورقة الثالثة: العتبة النووية
هذه الورقة التي يتخيل ان النظام المحاصر يمد يده اليها. والصورة الادق انها الاكثر غموضا لا الاكثر يقينا.
- من المؤكد (الوكالة الدولية عبر ISIS): قبيل ضربات يونيو ٢٠٢٥ كانت ايران على العتبة , نحو ٤٤٠ كغم يورانيوم مخصب بنسبة ٦٠٪، وزمن اختراق للمادة الانشطارية شبه صفري، ونحو ٢٠ الف جهاز طرد مركزي .
- متنازع عليه بشدة (بثقة منخفضة على اي رقم مفرد): حجم التراجع بعد الضربات محل خلاف داخل الحكومة الاميركية نفسها , تقدير مسرب لوكالة الاستخبارات الدفاعية قال "اشهر"، والبيت الابيض قال "حتى سنتين"، واسرائيل قالت "سنوات" .
- من المؤكد كحقيقة عدم يقين (ACA): منذ خروج المفتشين في يوليو ٢٠٢٥ فقدت الوكالة الدولية "استمرارية المعرفة"، فلا تستطيع تحديد حجم المخزون او مكانه , والغموض نفسه هو الخبر .
الفصل الجوهري (Iran Watch): صناعة المادة الانشطارية هي الخطوة السريعة (ايام الى اسابيع)، اما راس حربي قابل للاطلاق (سبك المعدن، الانفجار الداخلي، الدمج على صاروخ) فالخطوة الابطأ وغير المرصودة، ولا دليل علني على برنامج تسليح فعلي مقر .
(دقة حاسمة: لا نطلق عدا تنازليا من نوع "ايران على بعد اسابيع من قنبلة". فالمادة سريعة، والسلاح القابل للاطلاق بطيء وغير مثبت، والقرار سياسي، والوكالة الدولية لا تستطيع التحقق حاليا. اليقين هنا منخفض , وقول ذلك بصراحة هو التحليل نفسه. تحذير مصدري: بعض مقالات ٢٠٢٦ تخلط ضربات يونيو ٢٠٢٥ الحقيقية بادعاء غير واقعي عن وفاة علي خامنئي وخلافة مجتبى , لا نرث هذا الخلط.)
خامسا , الورقة الرابعة: الترسانة المنهكة (ايران وحزب الله)
مع تدهور الاذرع الامامية، انتقل عبء الردع اكثر الى القوة الوطنية الايرانية نفسها. لكنها هي الاخرى تضررت، فالصورة ليست "ايران احتفظت بترسانتها كاملة".
- من المؤكد (CSIS): ايران تملك اكبر واكثر ترسانة صواريخ تنوعا في المنطقة , آلاف الصواريخ الباليستية والجوالة، وخط مسيرات شاهد؛ وقد اظهرت رشقة اكتوبر ٢٠٢٤ (نحو ٢٠٠ صاروخ باليستي) انها ما زالت قادرة على اشباع الدفاعات .
- يرجح (JINSA، مصدر معني): دمرت الضربات نحو ٧٥٪ من قاذفات ايران المتنقلة، ونحو كل بطاريات الدفاع الجوي الاستراتيجي (S-300)؛ فالقيد الملزم اليوم هو القاذفات لا اجسام الصواريخ .
- يرجح (بلفر، تشاتام هاوس): حزب الله في "تراجع نهائي كقوة اقليمية" , ترسانته نحو ١٠-٢٥ الف صاروخ من اصل ١٢٠-١٥٠ الف قبل الحرب، وذخائره الدقيقة زالت في معظمها، وبلا خلف بحجم نصرالله؛ وايران انتقلت من "الاسقاط والردع" الى "البقاء وتقليل الخسائر" .
- موثق مع حدود (FDD): سقوط الاسد قطع الجسر البري، لكن التهريب يتسلل عائدا عبر القصير وتركيا والبحر , يعيد التسليح جزئيا دون استعادة القناة القديمة .
(دقة: ارقام "النسبة المدمرة" و"ما تبقى" تاتي من اطراف معنية (الجيش الاسرائيلي، JINSA، مركز الما) بينما تقابلها دعاية ايرانية بـ"اعدنا البناء بالكامل" , تذكر الطرفين كمدى مرجح لا كحقيقة مؤكدة. والحكم الاكاديمي الاقوى (بلفر) ان ايران لم تنجح في احلال قوتها الوطنية محل الاذرع , بل خرجت اضعف اجمالا، لا اكثر تماسكا.)
سادسا , التقدير والمؤشرات
التقدير المرجح (بثقة عالية): المحور خسر حرب العامين الاخيرين لكنه لم يصل الى الصفر , نزل من مشروع اقليمي الى يد قصيرة من اربع اوراق: مال في العراق، وازعاج حوثي، وعتبة نووية غامضة، وترسانة وطنية منهكة. لا واحدة منها ورقة رابحة، لكن ثلاثا منها على الاقل تقع علينا نحن لا على واشنطن. فالقول "المحور انتهى" ارخص في واشنطن منه في مدينة الكويت.
المؤشرات التي اراقبها:
- العراق: هل ينفذ نزع السلاح مع مهلة ٣٠ سبتمبر، وهل يضيق شريان التمويل فعلا (عقوبات جديدة، اغلاق قنوات الدولار)؟
- الحوثيون: هل يصعدون في البحر الاحمر ام تبرم هدنة، وهل يتقدم بناء بدائل الالتفاف الخليجية؟
- النووي: اي عودة لتفتيش الوكالة الدولية، او اي تحول في السياسة النووية الايرانية (تهديد بالانسحاب من معاهدة الحظر)؟
- الترسانة: اي دليل على ترميم حزب الله او اعادة ايران بناء قاذفاتها ودفاعها الجوي؟
- الجسر: هل يعود طريق سوريا لايران ببديل، ام يبقى مقطوعا؟
الاطار الصادق: الهدف في تقديري هو هيمنة ايران واذرعها المسلحة، لا طائفة , كل ورقة هنا مسالة نظام وجماعات مسلحة بعينها (الحرس الثوري، كتائب حزب الله، انصار الله، حزب الله)، لا شعب ولا مذهب. ولا ارسم "نهاية" مكتملة ولا "عودة" وشيكة: يد اصغر، اقرب الينا، تخسر مع الوقت اذا حرمت كل ورقة اوكسجينها. اما الفصل الاهم فبين ما هو واقعي دائم (شريان العراق ومهلته، اقتصاد البحر الاحمر، خط الاساس النووي قبل الضربات، تدهور حزب الله وترسانة ايران) وبين سيناريو هذه المنصة (حرب فبراير ٢٠٢٦، الحصار، وخلافة مجتبى) , الاول واقع مؤرخ، والثاني سيناريو لا يقدم كتاريخ موثق.